تحت سماء غزة المُثقَلة بالغبار والدخان، يفتح يوم جديد حجابَه الصامت؛ وهناك كارثة مغيبة مع الإعلان عن بدء عام دراسي منتظم بعد انقطاع دام عامين، وها قد مرّ شهران على انتظام الدراسة، لكن لا عقل يستطيع أن يتخيّل كيف يمكن لحياة دراسية أن تبدأ وسط هذا الخراب الذي خلّفته الإبادة، وعلى أيدي أطفال ومعلمين يحملون على أكتافهم وجعًا أكبر من أن تحمله الجبال.
ليس هناك صفوف منتظمة، ولا مقاعد مرتّبة، ولا لافتات بأسماء المدارس؛ فقط بقايا مبانٍ مهشّمة، وأخشاب ملتوية، وحجارة مسطّحة تذكّر بالركام الذي كان يومًا فصولًا. هنا، حيث دُمّرت نحو 97% من المدارس حسب تقييمات الأمم المتحدة.
في إحدى الخيام المؤقتة، تجلس طفلة في الصف الرابع على حصيرة رفيعة، بكاؤها يكاد يغرق ما حولها من أصوات. دفترها الممزق بين يديها بالكاد يحمل سطرًا واضحًا؛ وضوء البطارية الذي تراجِعت أنواره ليلاً ولم يعد يكفي لإضاءة نصف الصفحة. تقول أمها:«ما عندنا شنطة جديدة، ما عندنا كرسي… كنت أتذكره وهو يكتب، يركّب الحروف بحنان، لكن الحرف الآن يهتز كجدارٍ محطم.»
وليس الدمار وحده ما يروّعهم، بل إن كثيرًا من المدارس التي لم تُدمّر بالكامل تحوّلت إلى ملاجئ لعائلات نازحة: أسر تضع فراشها على أرض الصفوف، وتعلّق حبال الغسيل بين الأعمدة الإسمنتية، وأطفال رُضّع يبكون في الزوايا بينما يحاول معلّم أن يشرح درس الرياضيات. هؤلاء الصغار لا يجلسون على كراسي، بل على حصائر أو قطع قماش أو ألواح خشبية بديلة، هشةٍ كمسار يومهم، بحسب شهادة لمسؤول أممي.
عدد الأطفال المحرومين من التعليم يصعب استيعابه؛ تشير التقارير إلى أن أكثر من 658 ألف طفل في سن الدراسة بلا أماكن تعليم رسمية. وتقدّر الأمم المتحدة الحاجة إلى 3.8 مليارات دولار لإعادة بناء قطاع التعليم خلال خمس سنوات: مبانٍ مؤقتة، دعم نفسي، مستلزمات تعليمية، وكل ما يمكن أن يشكّل مدرسةً ولو بالمعنى الرمزي.
في ممر ضيق من خيمة مدرسية، تختلط الأصوات: معلم يعدّ الحضور، يحاول أن يرفع صوته فوق فوضى الأصوات حوله، فوق صراخ الأطفال، فوق فراش النوم الذي يُطوى ويُسحب من زوايا المكان قبيل بدء الحصة. يرفع طفل يده ببطء:«سؤال، أستاذ؟»
لكنه غير متأكد ما إذا كان ما يحدث درسًا حقيقيًا أم مجرد لحظة ترتدّ فيها الحياة قليلاً بعد فجيعة طويلة.
ومن جهة أخرى، يغامر بعض المعلمين بالبقاء رغم الخراب؛ يعودون إلى أطراف الصفّ المتبقية، يرسمون خطوطًا وهمية على الأرض ليقسّموا المكان بين التعليم والحياة اليومية، في محاولة لجعل الفوضى تتراجع ولو لساعة. يقول أحدهم:«نحن نحاول أن نعلّم في وقت مبكر، قبل أن يعود الملجأ إلى كونه خيمة عائليّة… نعلّم الصمود أكثر من العلوم.»
القلوب مثقلة، لكن العيون صامدة. أطفال يبدأون بتشييد أحلامهم من تحت الأنقاض، يكتبون أول كلماتهم بعد غياب المدرسة لعامين. منهم من يعود ممسكًا بعلبة أقلام مهترئة، ومنهم من يحلم بالتوجيهي رغم أن الكتب ضاعت، وأن الصف لم يعد إلا خيمة أو مساحة بين ركام.
هذه العودة ليست عودة إلى التعليم فحسب، بل إلى الحياة، إلى فعلٍ مقاوم لكل من حاول أن يُسكت صوت الأجيال القادمة. في الأعمدة التي لم تنهَر، في الجدران التي تقف بامتداد نصفها فقط، في ضحكات الأطفال العائدة ليلًا إلى الخيام، يكمن أمل غزة الذي لا ينكسر.