عامان على طوفان الاحرار عامان على طوفان الاحرار

قصر الباشا… تاريخ يحاول النجاة

الرسالة نت - متابعة

وسط هذا الخراب الذي لا يزال أكبر من قدرة البشر على التخيل، يبدأ الغزيّون اليوم إعادة ترميم قصر الباشا بجهودهم الذاتية. وفي الساحات التي كانت يومًا عامرة بالزوار، ينحني شباب ورجال وكهول فوق الحجارة المتناثرة، يرفعونها قطعةً بعد أخرى.

ورغم أنهم لا يملكون المعدات المتخصصة ولا الدعم الدولي، فإنهم يملكون ذلك الإصرار الغريب الذي يجعل شخصًا يزيل الغبار عن حجرٍ محروق كأنه يعيد الحياة لطفل.

لطالما وقف قصر الباشا كأحد أقدم الشواهد على التاريخ والإبادة؛ مبنى مملوكي–عثماني ظل صامدًا لقرون قبل أن تُصيبه الحرب الأخيرة بجراحٍ عميقة. وكانت الجدران المتشققة والأقواس القديمة تحكي تاريخًا إسلاميًا وفلسطينيًا لا تريد إسرائيل له أن يبقى، لأنه قلب مدينة تسعى إلى محو كل ما جاء في سيرتها الأولى.

قبل الحرب، كان القصر يحتضن نحو 17,000 قطعة أثرية تمثّل فترات تاريخية متعاقبة عاشتها غزة. اليوم، يؤكّد مسؤولون محليون أن «معظم هذه المقتنيات اختفت» بعد القصف والاقتحامات، بينما تشير تقارير صحفية أخرى إلى تقديرات أعلى تصل إلى 20,000 قطعة نهبها الاحتلال.

أما على مستوى القطاع كله، فتشير مسوحات دولية أولية إلى تضرر مئات المواقع الأثرية؛ وقد رُصدت أرقام تتراوح بين 200 و300 موقع، بعضها دُمّر بالكامل. ومع الكوارث التي خلّفتها الحرب وتعذّر الوصول الميداني، تبقى كل الإحصاءات أولية وقابلة للتعديل عند اكتمال التقييمات.

ويرى أهل غزة في قلب المدينة—الذي يضم معظم آثارها—جزءًا من روحهم، ويتحدّون الاحتلال ببقائه؛ شعورًا جماعيًا يتجاوز حدود المكان. فالترميم هنا ليس مهمة فنية، بل فعل مقاومة ثقافية؛ محاولة لاستعادة ذاكرة تمتد أعمق من أي جدار، وأقدم من أي سلاح.

ورغم أن غزة تعيش واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية: نقص ماء وغذاء، بيوت مهدّمة، عائلات ممزقة… إلا أن الناس ما زالوا يعتبرون أن الحفاظ على تراثهم ليس ترفًا. فهم يعرفون أن المدن لا تموت فقط عندما تتساقط مبانيها، بل حين تُمحى قصتها. لذلك تراهم اليوم يعيدون تثبيت حجر هنا، ويُنقّون زخرفة هناك، ويحاولون إنقاذ ما تبقّى من تاريخ لم يعد يملك غيرهم ليحميه.

قصر الباشا اليوم لا يشبه المعلم الذي كان، لكنه يشبه غزة نفسها: جسدٌ مثخن، وروح لا تتوقف عن المحاولة.

البث المباشر