بعد أكثر من سنتين من الحرب المستمرة، يعيش الأطفال في قطاع غزة طفولة لم يعرفوا فيها الأمان أو الطمأنينة، بل الخوف المستمر والجوع وفقدان المنازل والمدارس.
آلاف المنازل والمدارس والمستشفيات تضررت أو دُمّرت بالكامل، والمياه والطعام والدواء أصبح نادرًا، ما حول الحياة اليومية للأطفال إلى صراع للبقاء وسط الركام والفقر المستمر.
ويأتي هذا الواقع في وقت تشير فيه الإحصاءات الرسمية إلى أن حرب الإبادة والتجويع على قطاع غزة خلال العامين الماضيين خلّفت أكثر من 20 ألف طفل شهيد، وآلاف المفقودين تحت الأنقاض، إلى جانب أكثر من 30 ألف طفل فقدوا أحد والديهم، إضافة إلى آلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل في الخارج.
سلوكيات الأطفال بعد الحرب
وفي أحياء كثيرة، تغيّرت سلوكيات الأطفال بشكل واضح نتيجة الصدمات المستمرة. محمد*، 8 أعوام، الذي فقد أخاه الأكبر في القصف، أصبح يقضي معظم وقته حول منزله المدمر في دير البلح وسط القطاع، يتجنب اللعب مع أصدقائه، ويعاني من كوابيس تجعل نومه متقطعًا.
أما الطفلة ليلى*، 13 عامًا، فقدت والدتها وأصبحت مسؤولة عن رعاية أشقائها الأصغر، وتحاول إخفاء خوفها خلف ابتسامة متوترة. وكلماتها اليومية تعكس حجم المعاناة التي تعيشها: "الخيمة، الماء، الطعام، الخوف"، كلمات صغيرة تختزل عالمها الصغير الذي لم يعرف فيه سوى الحاجة والخطر المستمر.
يوسف*، البالغ من العمر 10 أعوام، يظهر تأثير الحرب على سلوكه بطريقة مختلفة، فتشير أخته إلى أن هدوءه يتحوّل فجأة إلى عدوانية تجاه أصدقائه عندما يسمع أصواتًا عالية، رغم محاولات تهدئته، ما يعكس صدماته النفسية المستمرة.
الطفولة والحرب
ويشير خبراء نفسيون إلى أن هذه التغيرات السلوكية ليست معزولة، بل هي انعكاس مباشر للظروف التي فرضتها الحرب على الأطفال، مثل فقد المدارس وتحويلها إلى ملاجئ للنازحين، توقف التعليم لنحو نصف مليون طفل، وتحميل الأطفال مسؤوليات تفوق أعمارهم مثل جمع الماء والطعام أو مساعدة الأسرة لتأمين الاحتياجات اليومية.
وحذرت منظمة اليونيسف من أن استمرار الحرب يهدد جيلًا كاملًا، إذ أن الصدمات النفسية والجسدية المستمرة ستترك آثارًا طويلة المدى على نمو الأطفال وسلوكهم الاجتماعي.
ويشير خبراء نفسيون في غزة إلى أن الأطفال يعيشون واقعًا يفوق طاقتهم، مع صدمات نفسية وجسدية مستمرة تهدد نموهم وسلوكهم الاجتماعي، مؤكدين أن كثيرًا منهم بحاجة إلى برامج دعم نفسي وتأهيل لمساعدتهم على تجاوز الصدمة قبل أن تتحول إلى جزء دائم من شخصياتهم.
واليوم، بعد أكثر من سنتين من الحرب، تواجه غزة تحديًا مزدوجًا إعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة طفولة سرقتها آلة العنف، لتبقى الأحلام الصغيرة حية في قلوب أطفال يعيشون بين الركام والخوف والجوع المستمر، متطلعين إلى حياة أكثر أمانًا وطمأنينة.