يُعدّ ملف المفقودين في قطاع غزة أحد أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن أكثر من 10 آلاف مفقود ما زال مصيرهم مجهولًا، بينما يرجّح أن معظمهم ما زالوا تحت الركام الذي خلّفته عمليات القصف واسع النطاق. وبينما يتطلب التعامل مع هذا الملف إمكانات تقنية متقدمة وآليات ثقيلة ومختبرات علمية متخصصة، تؤكد الجهات المختصة في غزة أن كل هذه المقومات إما دمرت بالكامل أو تمنع إسرائيل إدخالها، ما جعل البحث عن الجثث مهمة شبه مستحيلة.
معامل جنائية مدمرة.. وكوادر تعمل بإمكانات شبه صفرية
أكد المتحدث باسم الأدلة الجنائية في غزة محمود عاشور، في مداخلة مع قناة الجزيرة، أن عدد المفقودين تجاوز 10 آلاف شخص، مشددًا على أن هذه الأرقام تتزايد مع كل يوم تمر فيه عمليات البحث دون إمكانية الوصول إلى sites الاستهداف. وفي ظل غياب الإمكانات، تُحرم آلاف العائلات من دفن ذويها أو حتى التأكد من مصيرهم، لتعيش رحلة انتظار قاسية تمتد شهورًا وقد تمتد سنوات.
ويقول عاشور إنهم تسلّموا حتى الآن 330 جثمانًا من الجانب الإسرائيلي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وقد تمكنت الطواقم من التعرف على 99 جثمانًا فقط، بينما بقيت البقية مجهولة الهوية بسبب تدهور حالة الرفات وعدم وجود مختبرات لفحص الحمض النووي.
وأوضح عاشور أن الاحتلال الإسرائيلي استهدف المعمل الجنائي الفلسطيني منذ الأيام الأولى للحرب، ما أدى إلى فقدان القدرة الكاملة على إجراء تحاليل البصمة الوراثية والحمض النووي. وهذا الاستهداف لم يكن مجرد تدمير لمبنى، بل ضرب للبنية الأساسية التي تُعدّ عصب عمليات التعرف على الهويات في الحروب والكوارث.
ويؤكد المتحدث أنهم يعملون اليوم بحدود ضيقة للغاية، حيث تُجرى المعاينات بالتعاون مع الطب الشرعي في مستشفى ناصر الطبي ومجمع الشفاء عبر تصوير احترافي للجثامين وتوثيق العلامات المميزة، ثم عرضها على عائلات المفقودين في محاولة للتعرف البصري. لكن هذه العملية غالبًا ما تفشل بسبب التشوهات الشديدة التي لحقت بالجثامين بفعل القصف وطول مدة بقائها تحت الأنقاض.
ويكشف عاشور عن تفاصيل صادمة حول الحالة التي تصل بها الجثامين، مؤكدًا أن استخدام إسرائيل لذخائر حربية عالية القدرة أدى إلى تقطيع وتحلل كثير من الضحايا، بحيث أصبح التعرف عليهم عبر المشاهدات البصرية شبه مستحيل. ويضيف أن الظروف الجوية وطول الفترة التي تمكث فيها الجثامين تحت الركام يعمقان من مستوى التحلل، ما يجعل مهمة الطب الشرعي والفِرق الفنية بالغة الصعوبة.
وروى عاشور قصة مؤلمة لعائلتين تعرفتا على الجثمان نفسه في مستشفى ناصر الطبي، وقدمت كل منهما دلائل تثبت أنه ابنها. ويقول إن هذا المشهد يجسد شعور العجز الكامل الذي يواجهه العاملون في الأدلة الجنائية حين يقفون أمام رفات فقدت كل ما يدل على أصحابها.
ركام يتجاوز 60 مليون طن.. وآليات الانتشال ممنوعة
وتقدر وزارة الصحة ومكتب الإعلام الحكومي في غزة أن حجم الركام الذي خلّفته الحرب تجاوز 60 مليون طن، وهو رقم يشير إلى انهيار آلاف المباني والمنشآت، بعضها مأهول بالسكان لحظة القصف. هذا الحجم الهائل يتطلب آليات ثقيلة ضخمة وقدرات هندسية متقدمة لفتح الطرق، ورفع الطبقات الخرسانية، والوصول للجثث.
لكن الاحتلال الإسرائيلي يمنع إدخال الآليات الثقيلة الضرورية لعمليات الانتشال، ويحرّم على فرق البحث العمل في كثير من مناطق الاستهداف، ما يجعل مهمة الوصول إلى الضحايا شبه معدومة.
وبحسب وزارة الصحة، فإن آلاف الجثامين ما زالت مدفونة في العمارات السكنية والمستشفيات والمدارس والمخيمات المدمرة التي تعرضت لقصف منهجي وعنيف، دون أن تتمكن فرق الدفاع المدني من رفع سوى أجزاء بسيطة منها.
كما تقدّر الأمم المتحدة أن قطاع غزة ملوث بما يقارب 7 آلاف طن من الذخائر غير المنفجرة، وهي ذخائر تشكل خطرًا مباشرًا على فرق البحث والانتشال. إذ يمكن أن تنفجر في أي لحظة أثناء محاولة الوصول إلى الجثث، ما يجعل عمل الفرق أشبه بالتقدم وسط حقل ألغام.
وتؤدي هذه الذخائر أيضًا إلى إتلاف الرفات البشرية عند انفجارها أو تفاعلها مع البيئة، ما يزيد من صعوبة التعرف على الجثث لاحقًا حتى لو تم استخراجها.
أدوات بدائية في مواجهة كارثة معقدة
ومع غياب المعدات الثقيلة، واعتماد فرق البحث على أدوات بسيطة مثل المجارف اليدوية، يصبح البحث في ركام عمارة من 10 طوابق مهمة قد تستغرق شهورًا، إن لم تكن مستحيلة. وفي كثير من الحالات، لا تستطيع الفرق الوصول إلى الطوابق السفلية أو الأقبية التي يعتقد أنها تحتوي على العدد الأكبر من الضحايا.
وحتى عند العثور على رفات، تبقى المشكلة الأكبر هي عدم وجود مختبرات للحمض النووي بعد تدمير المعمل الجنائي ومنع إسرائيل إدخال أي أجهزة جديدة. وهذا يعني أن آلاف الجثث قد تُدفن في مقابر جماعية دون أن تُعرف هويتها، ما يضاعف مأساة العائلات.
جميع العوامل مجتمعة — الركام الهائل، الذخائر غير المنفجرة، غياب الآليات الثقيلة، تدمير المختبرات، وتحلل الجثامين — أعلنها تقرير الجزيرة بأنها تؤسس لـ كارثة طويلة الأمد وغامضة النهايات. فإذا استمر منع إدخال المعدات الثقيلة وأدوات الفحص العلمي، فإن آلاف العائلات قد تبقى لسنوات دون أن تعلم مصير أحبّتها.
ويحذر المتحدث باسم الأدلة الجنائية عاشور من أن التعامل مع ملف المفقودين بهذه الطريقة يتعارض بشكل صارخ مع البروتوكولات الدولية التي تُلزم الأطراف المتحاربة بالبحث عن المفقودين وصون كرامة الجثث. ويطالب المؤسسات الدولية بضرورة الضغط على الاحتلال لإدخال المعدات اللازمة فورًا، مؤكدًا أن الوضع الحالي "غير إنساني ولا يمكن احتماله