مع استمرار الهدنة الهشّة في غزة وتكرار الخروقات الإسرائيلية، تتسارع التحضيرات للدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي المرحلة الأكثر حساسية، إذ تتضمن انسحاباً عسكرياً واسعاً، وترتيبات للحكم المدني، وتفعيل القوة الدولية المنصوص عليها في القرار الأخير لمجلس الأمن.
هذه التحضيرات تجري على ثلاثة مسارات رئيسية: تحركات إسرائيلية داخلية، ومباحثات لوفد حماس في القاهرة، وضغوط أميركية – إقليمية لتثبيت الاتفاق ومنع انهياره.
في الطرف الإسرائيلي، أقرّ "الكابينت" تشكيل لجنة وزارية لمتابعة تنفيذ المرحلة الثانية، ضمّت وزراء من اليمين المتطرف مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إلى جانب وزراء بارزين آخرين.
ورغم معارضة هؤلاء للاتفاق عند طرحه، باتوا جزءاً من الفريق المكلف بالإشراف عليه.
وترى تحليلات إسرائيلية أن إشراك هذه الشخصيات يهدف إلى ضمان عدم تقديم أي تنازل يتعلق بالانسحاب أو بالترتيبات الأمنية، فيما يسعى رئيس الحكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو إلى إدارة الملف بما يحفظ تماسك ائتلافه ويؤخر أي انسحابات واسعة من غزة.
وتشير تقارير عبرية إلى أنّ نتنياهو يستخدم ملف تسليم جثث الأسرى المتبقين كورقة سياسية لتقييد الانتقال السريع للمرحلة الثانية.
وفي موازاة التحركات الإسرائيلية، التقى الأحد في العاصمة المصرية القاهرة، وفد قيادي من حركة المقاومة الإسلامية حماس، برئاسة محمد درويش رئيس المجلس القيادي للحركة، وعضوية أعضاء المجلس القيادي خالد مشعل وخليل الحية ونزار عوض الله و زاهر جبارين وعضو المكتب السياسي للحركة الدكتور غازي حمد، مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير حسن رشاد.
وتناول اللقاء تطورات اتفاق وقف إطلاق النار والأوضاع العامة في قطاع غزة ومناقشة طبيعة المرحلة الثانية من الاتفاق.
الوفد جدد تأكيد التزام الحركة بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، مشدداً على أهمية وقف الخروقات الصهيونية المستمرة والتي تهدد بتقويض الاتفاق، وذلك من خلال آلية واضحة ومحددة برعاية ومتابعة الوسطاء، تقوم على إبلاغ الوسطاء بأية خروقات لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوقفها بشكل فوري ومنع الإجراءات الأحادية التي تتسبب في تصعيد الأمور وإلحاق الضرر بالاتفاق.
كما ناقش وفد الحركة سبل معالجة قضية مقاتلي رفح بشكل عاجل من خلال جهود الوسطاء مع مختلف الأطراف، مع التنوية أن التواصل مع المقاتلين منقطع.
وتؤكد الحركة في بياناتها أن استمرار القصف الإسرائيلي وتغيير مواقع انتشار الجيش يهددان ثبات الاتفاق، محذرة من أن أي ترتيبات للحكم لا تراعي الإجماع الفلسطيني أو تشبه "الوصاية الدولية" لن تكون مقبولة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تتحرك واشنطن ومعها مصر وقطر وتركيا في محاولة لتثبيت الاتفاق ومنع تعطيله قبل الوصول إلى المرحلة الثانية، لكن الخروقات الإسرائيلية المتكررة تشير إلى هشاشة تلك الضغوط.
وتعيد الإدارة الأميركية التأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشكل نقطة التحول نحو إنهاء الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي بالكامل، بالتوازي مع بدء مسار إعادة الإعمار.
وبحسب مصادر دبلوماسية، تمارس الدول الوسيطة ضغوطاً على الجانبين لتطبيق البنود المتفق عليها دون تأخير، محذرة من أن التعطيل سيضاعف الأزمة الإنسانية في القطاع.
وتؤكد القاهرة والدوحة وأنقرة ضرورة وضع جدول زمني واضح للانسحاب وتفعيل القوة الدولية، مع التشديد على أن أي صيغة إدارة لغزة يجب أن تكون فلسطينية بالأساس.
وتشير قراءات مراكز الأبحاث والمحللين الدوليين إلى حالة من الشك المحيط بفرص تنفيذ المرحلة الثانية بسلاسة.
تقارير غربية ترى أن "إسرائيل" تميل إلى إعادة انتشار جزئية وليس انسحاباً كاملاً، بينما يصف كتّاب إسرائيليون المرحلة المقبلة بأنها "معركة سياسية" داخل الحكومة قبل أن تكون معركة تفاوضية مع حماس.
من جهتها، تحذر دراسات عربية من محاولات تل أبيب فرض بقاء عسكري غير مباشر تحت ذريعة الأمن، فيما تتمسك حماس برفض أي ترتيبات يمكن أن تنتزع سلاح المقاومة بسرعة أو تضع غزة تحت وصاية دولية طويلة.
وسط هذه المعادلات المتشابكة، يبقى تنفيذ المرحلة الثانية رهناً بقدرة الوسطاء على جسر الهوّة بين الطرفين، وبمدى التزام "إسرائيل" بوقف الخروقات التي تهدد بتفجير الاتفاق من أساسه، وبين النصوص المكتوبة والواقع الميداني، تبقى غزة معلّقة بين هدنة لا تكتمل واستقرار لا يزال بعيداً عن التحقق.