يعيش حي بطن الهوى في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك حالة من القلق والترقب بين سكانه الفلسطينيين، في ظل استمرار محاولات سلطات الاحتلال الإسرائيلي والجمعيات الاستيطانية للسيطرة على منازلهم وتهجيرهم قسرًا. فقد بات نحو 750 مقدسيًا، بينهم أطفال وعائلات كاملة، يواجهون مصيرًا مجهولًا بسبب تهديدات الإخلاء القسري، وسط تصاعد النشاط الاستيطاني في الحي الذي لا يبعد سوى 400 متر عن المسجد الأقصى المبارك.
يأتي ذلك ضمن حملة ممنهجة للتهويد وتهجير السكان الفلسطينيين من محيط البلدة القديمة شرقي القدس، حيث تتصاعد محاكم الاحتلال من إصدار قرارات الإخلاء، مستغلة وقوف الجمعيات الاستيطانية وراء دعاوى قضائية تسعى إلى الاستيلاء على المنازل والأراضي الفلسطينية. ويعد حي بطن الهوى أحد أبرز الأحياء المستهدفة نتيجة موقعه الاستراتيجي القريب من الأقصى، وسيطرة الجمعيات على أجزاء كبيرة من أراضيه.
تاريخ التهجير والاعتداءات على العائلات
بدأت جمعية "عطيرت كوهانيم" الاستيطانية منذ عام 2011 بسعيها للسيطرة على الحي، مستندة إلى أملاك يهودية يُزعم أنها تعود إلى القرن التاسع عشر.
وقد أصدرت محاكم الاحتلال قرارات لإخلاء العائلات الفلسطينية، فيما اضطر بعض السكان مثل الحاجة أم زهري شويكي وعائلتي الرجبي والبصبوص إلى مغادرة منازلهم بالقوة لصالح المستوطنين.
وفي وقت سابق من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، نفذت قوات الاحتلال عملية إخلاء لعائلتي شويكي وعودة، وأدخلت المستوطنين مكانهم، ما أعاد تسليط الضوء على خطر التهجير القسري الذي يتهدد باقي العائلات. ويعيش السكان الفلسطينيون في حالة دائمة من الخوف، حيث يترقبون أي لحظة قد يتم فيها تنفيذ قرارات إخلائهم، فيما ترفض العائلات كافة هذه الإجراءات، معتبرة أنها تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وفرض واقع ديموغرافي جديد.
أعداد المصابين والمهددين
وفقًا للمعطيات، يواجه نحو 750 فردًا مصيرًا مجهولًا في حي بطن الهوى، ويعيشون تحت ضغط نفسي مستمر نتيجة التهديد بالإخلاء القسري وفقدان منازلهم. وتشير الدراسات الميدانية لمنظمة بتسيلم إلى أن الحي مقسم إلى نحو 50 قسيمة، تسعة منها نُقلت إلى "عطيرت كوهانيم" ويقطنها مستوطنون، فيما تسكن خمس قسائم أخرى عائلات فلسطينية مستهدفة.
وتقدّم الجمعية الاستيطانية منذ 2015 عشرات الدعاوى القضائية ضد 81 أسرة فلسطينية، وتفرض البلدية غرامات مالية وأوامر هدم جزئية على بعض المنازل بذريعة ملكية الأرض، بينما يفرض الاحتلال السيطرة القانونية على الوقف اليهودي الواقع في الحي.
آلية السلب الحكوميّة
تستند العملية الاستيطانية في بطن الهوى إلى مزيج من قوانين إسرائيلية تم سنها منذ عام 1948، تتيح لليهود استعادة أملاكهم الواقعة خارج حدود الدولة بعد الحرب، بينما لا تسمح للفلسطينيين باستعادة ممتلكاتهم.
وتستغل الجمعيات الاستيطانية هذه القوانين بمساعدة سلطات الدولة والوكلاء القانونيين للوصول إلى السيطرة على الأراضي، في خطوة تشكل ما يشبه مكبسًا ثقيلًا يضغط على الأسر الفلسطينية أمام خيارين صعبين: إما قبول الإخلاء مقابل تعويض مادي، أو مواجهة خسارة الملك والتعرض للتنكيل.
يتم دعم المستوطنين أيضًا عبر إجراءات مؤسساتية، تشمل تدخل بلدية القدس، ووزارة الإسكان، وقوى الشرطة، وقوات حرس الحدود، بالإضافة إلى حراس أمن خصوصيين، لفرض السيطرة على الحي وتحويله إلى بؤرة استيطانية.
تهويد القدس وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي
تشكل هذه الإجراءات جزءًا من استراتيجية أوسع للسلطات الإسرائيلية للسيطرة على شرقي القدس، وزيادة عدد السكان اليهود في الأحياء الفلسطينية، وتقليل عدد السكان الفلسطينيين بهدف تهويد المدينة.
ويشمل هذا النهج مصادرة آلاف الدونمات الفلسطينية، وبناء أحياء مخصصة للسكان اليهود فقط، وإخضاع الفلسطينيين لتمييز ممنهج في الوصول إلى الحقوق والمرافق الأساسية.
وتعتبر محاكم الاحتلال، من خلال تغطيتها القانونية، هذه السياسات وسيلة لتشريع العنف المنظم والتهجير القسري في الأراضي المحتلة، بما يخالف القانون الدولي.
يؤكد الخبراء أن ما يحدث في بطن الهوى يشبه ما يجري في حي الشيخ جراح ومناطق البلدة القديمة في القدس، حيث زاد عدد المستوطنين في الأحياء الفلسطينية بنسبة 70٪ بين عامي 2009 و2016، كما ارتفعت مجمّعات البناء الجديدة لليهود بنسبة 39٪، فيما طُردت عشرات العائلات الفلسطينية وتهدد مئات الأسر بخطر التهجير المستمر.
التأثير على الحياة اليومية
إن دخول المستوطنين إلى الحي وتوسع سيطرتهم يصاحبه تغييرات كبيرة في الحياة اليومية: تنامي التوترات، الرصد الأمني المستمر، الاعتداءات على الخصوصية، الضغط النفسي والاقتصادي، والمواجهات اليومية بين الشبان الفلسطينيين والمستوطنين، والتي تشمل رشق الحجارة وأحيانًا اعتقالات القاصرين.
كل هذه العوامل تجعل الحياة في الحي معقدة ومهددة باستمرار، ويزيد من المخاطر على السكان الذين يرفضون مغادرة منازلهم.
ويعيش حي بطن الهوى اليوم نموذجًا مصغرًا لما يواجهه شرقي القدس بأكمله: محاولات ممنهجة للسيطرة على الأرض، إخراج السكان الفلسطينيين، وفرض واقع ديموغرافي جديد يخدم الاستيطان، في ظل غطاء قانوني شكلي ومؤسساتي. وتبقى العائلات الفلسطينية في الحي، بما فيها 750 فردًا على رأسهم الأطفال والنساء، تحت تهديد التهجير القسري، فيما يبقى مصيرهم مرتبطًا بإرادة الاحتلال وقوانين محاكمه، وسط صمت دولي شبه كامل تجاه الانتهاكات اليومية التي تستهدف قلب القدس الإسلامي والفلسطيني.