في شارع العيون بمنطقة النصر شمال قطاع غزة، تحاول دعاء فيصل مع زوجها وأولادها الخمسة العيش في نصف منزل مقصوف.
ما تبقى من البيت الذي يقيمون فيه يضم غرفة وصالونًا صغيرًا ونصف مطبخ ودورة مياه، بينما بقية أرجاء البيت مهدمة وغير صالحة للسكن.
تقول دعاء: "قد يصبح أي قصف شديد سببًا في سقوط الحجارة فوقنا، لقد سقط جدار الغرفة الوحيدة قبل شهر وتم إغلاقه، ومع ذلك ما زلنا نحاول العيش هنا لأنه أقل سوءًا من الخيام… لكنه خطر دائم على حياتنا".
قصة دعاء تعكس واقع آلاف السكان العائدين إلى منازلهم المدمرة بعد الحرب الأخيرة. فمع محاولة ترميم ما أمكن ترميمه، يواجه السكان خطر انهيار البيوت على رؤوسهم في أي لحظة، فيما أصبحت الحياة اليومية داخل هذه المنازل أكثر صعوبة وتعقيدًا من العيش في الخيام.
انهيار المنازل ومخاطر العودة
ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار، سجلت حالات متعددة لانهيار المنازل في أحياء التفاح، تل الهوا، الصبرة، وشمال القطاع، ما أسفر عن استشهاد العديد من الغزيين، بينهم أطفال. ويشير الدفاع المدني في غزة إلى أن هذه البيوت الهشّة غالبًا ما تصبح أكثر خطورة من الخيام، خصوصًا مع تسرب المياه إلى الداخل عند سقوط الأمطار، ما يزيد من معاناة السكان ويهدد استقرار المباني المتبقية.
وتضيف الطواقم أن تحركات السكان داخل المنازل المدمرة صعبة جدًا بسبب التصدعات والأنقاض المنتشرة، مما يجعل أي محاولة للعيش أو الحركة داخلها مخاطرة مستمرة. ويشير المسؤولون إلى أن أكثر المناطق خطورة هي تلك التي شهدت استهدافًا مباشرًا خلال الحرب، حيث تم قصف المباني أكثر من مرة، ما أدى إلى تضرر هياكلها بشكل كامل وجعلها قابلة للانهيار في أي لحظة.
وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، يقدر حجم الدمار في القطاع بما يزيد عن 60 مليون طن من الركام، فيما يواجه آلاف السكان تحديات يومية للوصول إلى مساكنهم المتضررة. وأوضح المكتب أن أكثر من 75% من المنازل المدمرة لم تعد صالحة للسكن، بينما يعتمد عدد كبير من العائلات على الخيام والملاجئ المؤقتة، التي لا توفر سوى حماية جزئية من البرد والمطر ولا تقلل من خطر انهيار البيوت.
ويشير الدفاع المدني إلى أن طواقمه تتلقى بلاغات شبه يومية بانهيار أجزاء من المنازل أو سقوط جدران بالكامل، وأن عمليات التدخل تظل محدودة نظرًا لخطورة المنازل وعدم استقرارها، ما يجعل الإصابات أو الخسائر في الأرواح أكثر احتمالًا مع كل انهيار جديد.
حياة تحت الركام
يعيش غزيون مثل السيدة دعاء فيصل في توازن دقيق بين البقاء على قيد الحياة والعيش في ظل الدمار. نصف البيت المتبقي أصبح مسكنهم الوحيد، ويواجهون باستمرار خطر سقوط الجدران والحجارة، خاصة مع الرياح أو الأمطار أو أي هزة صغيرة في الهيكل المتبقي للمنزل.
رغم ذلك، يفضلون البقاء هناك بدلًا من الانتقال إلى المخيمات والخيام، التي قد توفر الحماية من الانهيارات، لكنها لا تمنحهم خصوصية أو حياة كريمة.
وتشير إحصاءات الدفاع المدني إلى أن العديد من الأسر العائدة إلى منازلها المدمرة تتعرض للضغط النفسي والقلق المستمر، ويصبح الأطفال أكثر عرضة للخطر، خاصة عند اللعب داخل أو حول البيوت المهدمه.
وتشكل هذه المنازل المدمرة تحديًا مستمرًا للسلطات المحلية، التي تكافح لإيجاد حلول عاجلة، في ظل نقص الموارد والهياكل الهندسية المناسبة للترميم أو الإزالة الآمنة للركام.
وتظل المخاطر قائمة، خصوصًا مع تساقط الأمطار أو الأضرار الثانوية التي قد تلحق بالمباني غير المستقرة، كما تستمر عائلات كثيرة في غزة في العيش تحت تهديد دائم، بين البقاء في مساكنهم المهدمة أو الانتقال إلى الخيام، بينما يظل خطر الموت المفاجئ نتيجة انهيار البيوت جزءًا من حياتهم اليومية.