عامان على طوفان الاحرار عامان على طوفان الاحرار

الشهيد سلطان عبد الغني.. من ضربة شاكوش إلى معركة شرسة

الرسالة نت - متابعة خاصة

صباح فلسطيني مثقل بالغيوم والقلق، شيءٌ خفيٌّ حزينٌ في سماء جنين، كأن المدينة كلها تستعد لوداع رجلٍ عرفته من صدى الطلقات أكثر مما عرفته من ملامحه.

الشهيد سلطان عبد الغني.. بطل من بلدة مَركَة جنوب جنين، حيث كانت خطوات قوات جنود الاحتلال تُسمع قبل أن تُرى، تتسلل إلى الأزقة بوجوه متخفّية وأسلحة متوحشة، بينما كان سلطان نضال عبد الغني، الشاب الذي لم يكمل عامه الثاني والعشرين، يجلس خلف جدار واحد فقط يفصله عن أعنف وآخر مواجهة في حياته.

ما إن أدرك أن البيت محاصر، حتى اختار الطريق الذي ظلّ مؤمناً به طوال خمسة عشر شهراً من المطاردة: أن يقاتل.

أطلق رصاصته الأولى فاهتزّ الهدوء، ثم توالت الطلقات كأنها نبض مسرع يعلن عن حياة تتمسك بكل ما لديها.

الطائرات بدأت تدور فوق سقف المنزل، وصواريخ  انهالت على الجدران، فيما كان الشاب وحيداً في الداخل، لكن صوته بدا أعلى من جلبة الجنود.

كان سلطان يدرك أن هذه اللحظة ليست مجرد مواجهة، بل خاتمة سيرة طويلة بدأت منذ عملية "الشاكوش" في مستوطنة "كدوميم"، حين هاجم مستوطناً بمطرقة حديدية.

تلك العملية بدت للاحتلال أكبر من حجمها، لأنها لم تكن مجرد ضربة بمطرقة، بل إعلاناً أن أدوات المقاومة لا تحتاج دائماً إلى بنادق، بل إلى قلب لا يعرف الخوف. ومنذ ذلك اليوم، طاردوه بكل ما لديهم، وطارده اسمه في كل نشرة أمنية.

خلال هذه الشهور الطويلة، لم تكن عائلته تعيش حياة عادية. اعتُقلت والدته وشقيقته مرات عدة، وفتش الجنود المنزل مراراً، ثم فجروا البيت المكوّن من ثلاثة طوابق، تاركين العائلة بين الركام والغبار. ورغم ذلك، ظل السلطان بعيداً عن القبضة، يعرف الأرض كما تعرفه، يتنقل في الظل كأن الليل يحميه.

وعندما ضاق الطوق، وعندما انطفأت آخر قطعة رصاص في سلاحه، كان البيت يهتزّ تحت ضربات الصواريخ، وكان هو ما زال واقفاً.

انتهى الاشتباك بتأكيد الاحتلال اغتياله، لكن ما بقي بعد انحسار الدخان كان أكبر من خبرٍ عسكري. بقيت رائحة المعركة، وبقي صوت الرصاص يعلّق في الهواء كما لو أنه لم يرد المغادرة.

في إحدى زوايا أغراضه المتناثرة، ظلّ الشاكوش الذي حمله في عمليته محفوظاً بين مقتنياته. قطعة الحديد الصغيرة لم تعد مجرد أداة، بل أثرٌ من حضورهِ، ودليلٌ على أن المقاومين يصنعون من أبسط الأشياء رمزاً يخلّدهم.

حركة حماس نعت الشاب المطارد بكلمات تليق برجل عاش خفيفاً على الأرض وثقيلاً في المعنى، مؤكدة أن أمثال سلطان هم الذين يشقّون الطريق للشعب الفلسطيني، ويثبتون فشل الاحتلال مهما بالغ في القتل والاعتقال والاغتيال.

البث المباشر