ليلة انطفأت فيها ثلاثة أرواح.. حكاية لينا وفقدها الأبدي

ليلة انطفأت فيها ثلاثة أرواح.. حكاية لينا وفقدها الأبدي
ليلة انطفأت فيها ثلاثة أرواح.. حكاية لينا وفقدها الأبدي

الرسالة نت- كريمان البحيصي

في دير البلح، تقف لينا قفّة (28) عامًا عند شرفة بيتها، تحدّق في المكان الذي كان عامرًا بصوت ضحكات أطفالها الثلاثة، تحاول أن تتذكرهم كما لو كانوا بجانبها الآن، لكن الجدران فارغة، وقلبها مثقل بالوجع والفقد.

كانت ليلة الرابع والعشرين من مارس/آذار 2024، في رمضان المبارك، حين خرج زوجها أحمد سلمان برفقة أطفالها عارف، سارة، وعبد الرحمن إلى بيت والده المقابل لهم لأداء صلاة التراويح وقراءة وردهم القرآني كعادتهم. لينا لم تتمكن من الخروج معهم بسبب وعكة صحية، لكنها كانت تعد الحلوى التي اعتادت تقديمها لهم بعد اللقاء.

وفجأة تغير كل شيء في لحظة، صوت صاروخ مزّق الصمت، ورأت النيران تلتهم البيت المقابل، الضوء الذي كان يملأ المكان انطفأ، وتحول البيت إلى ركام. هناك، تحت الأنقاض، رحل زوجها أحمد وأطفالها الثلاثة، لتصبح لينا وحيدة بين الصمت والذكريات.

حكاية لينا وفقدها الأبدي

تقول لينا عن زوجها أحمد، وصوتها يختلط بالبكاء والحنين، "أحمد كان كل شيء طيب في الدنيا، قلبه كبير ووجهه بشوش، عاش حياته بين القرآن والمسجد، وما كان يترك صلاة جماعة مهما كان تعبان. كان بارًا بوالديه وحنونًا على أخواته وطيّبًا مع كل الناس."

وتتابع "كان دايمًا يقول لي: هذا امتحان، وإذا أحب الله عبدًا ابتلاه. كان يحلم بالشهادة ويشتغل لها بصدق  في ميادين الجهاد، لكن لم يخبرني يومًا كيف سأكمل وحدي. أحمد كان كريمًا جدًا وما في جيبه كان للناس، كثير من صدقاته ما عرفنا بها إلا بعد استشهاده، ترك أشياء بينه وبين الله لا يعلمها إلا هو."

ليلة انطفأت فيها ثلاثة أرواح

تستعيد لينا ذكريات أطفالها وكأنهم ما زالوا حولها، فتقول، "عارف 9 سنوات، يا حبيبي، كنتَ الأكبر وكنتَ كل حياتي، قلب البيت وروحه. كنت تحب أن تراقب كل شيء، تعلم أخوتك الصغار، تحرص على وضوءهم وصلاتهم رغم صغر سنك، كنت تحاول دائمًا أن تراني سعيدة وعندما أحزن، تقول لي: 'ماما، لا تزعلّي… أنا معك'. كنت حنونًا جدًا، وعقلك صغير لكنه مليء بالحب، وفجأة رحلت وتركت قلبي محطمًا."

وتضيف عن طفلتها سارة (7 سنوات)، "سارتي، يا دلوعتي، يا حبيبة قلبي، كنت ذكية وحساسة، كل من يعرفك يحبك فورًا. كنت تعلقين قلبك بوالدك وأعرف أن ذلك السبب الذي جعل رحيلك معه أسهل عليك، لكنه قتل قلبي. كنت أحلى ضحكة في البيت، وكنت تجعلين كل شيء حولك أكثر دفئًا وحياة."

وتكمل حديثها عن أصغرهم، عبد الرحمن (5 سنوات) "عبود، آخر العنقود، روحي الصغيرة، كنت لا تستطيع النوم إلا في حضني، كنت تلتصق بي بكل قوتك وتطلب حضني كل ليلة، لم تكتمل فرحتك بالروضة ولم تتحقق أحلامك الكبيرة بعد، كنت كل الحنان والدفء، وغيابك جعل كل شيء فارغًا ومكسورًا."

"ذكريات صغيرة… نور يضيء قلبي"

وتجلس لينا وحيدة أحيانًا، وتسترجع تفاصيل حياتهم اليومية وكأنهم ما زالوا حولها. تتذكر كيف كانوا يحبون النوم على سورة البقرة، وكيف كانت كل ليلة تتفق معهم على كثير من أمور الحياة اليومية، كطقوس تمنحهم الطمأنينة.

وتابعت عن أطفالها " كنت نفسي أشوفكم تكبروا قدامي، أشوفك يا عارف دكتور كما كنت تحلم، وأنتِ يا سارة تحققين حلمك وتصبحين دكتورة أسنان، وحبيبي عبود… لسا ما لحقت تفرح وتستكشف العالم الكبير، لكن الحمدالله على كل شيء."

بعد رحيل عائلتها، تعيش لينا أيامًا طويلة لا تشبه أي أيام، تقول، "لا أملك خيارًا سوى أن أستمر، لكني لا أمضي شيئًا دونهم. هم معي في كل حركة، في كل دعاء، في كل ثانية. أحيانًا أجلس وحيدة وأبكي، وأحيانًا أضحك وأنا أسترجع ذكرياتهم، لكن الألم يثقل قلبي في كل لحظة."

تحافظ على صورهم وذكرياتهم، وتنشر قصصهم على مواقع التواصل، لتثبت أن أطفالها وزوجها ليسوا مجرد أرقام، بل أرواح حيّة ستظل باقية في قلبها والعالم كله. تقول: "أنا أُبقي ذكراهم حيّة، لأن العالم يجب أن يعرف من كانوا، ولأني أعلم أنهم جزء من حياتي إلى الأبد."

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير