شهدت الأسواق المالية الإسرائيلية حالة ترقب واسعة قبل إعلان بنك إسرائيل خفض سعر الفائدة إلى 4.25% للمرة الأولى منذ ما يقرب من عامين.
ورغم أن القرار يمثل بداية محتملة لمرحلة تيسير نقدي تدريجي، فإن الأنظار تركزت بشكل أساسي على مصير الشيكل، الذي وجد نفسه في قلب المعادلة بين السياسة النقدية المحلية والتقلبات العالمية، خصوصا في ظل الضعف الواضح في الدولار خلال الفترة الأخيرة.
واستطاعت العملة الإسرائيلية أن تحافظ على تماسكها بشكل غير متوقع، ما أثار تساؤلات حول مدى تأثير قرار خفض الفائدة على قيمتها وما إذا كانت قد استوعبت تأثير القرار مسبقا.
عوامل عدة
وتكمن أهمية التركيز على الشيكل في أن أداءه في الأشهر الماضية لم يكن انعكاسا مباشرا للبيئة الاقتصادية الداخلية فحسب، بل تأثر أيضا بعوامل خارجية، من بينها تحركات الدولار عالميا، ونظرة المستثمرين إلى الاقتصاد الإسرائيلي، والنتائج القوية لبعض القطاعات في النصف الثاني من العام.
ولذلك، فإن فهم تأثير القرار الأخير يتطلب قراءة أكثر عمقا لطبيعة العلاقة بين السياسة النقدية وأداء العملة، بعيدا عن التوقعات التقليدية التي تربط بين خفض الفائدة وضعف العملة بشكل تلقائي.
وفي ظل هذه الصورة المركبة، تبدو متابعة تحركات الشيكل ضرورية لتحليل القرار ومعرفة انعكاساته المحتملة، فالتماسك الحالي للعملة لا يعني بالضرورة أن تأثير خفض الفائدة معدوم، لكنه يكشف أن السوق سبق القرار في التسعير، وأن عوامل أخرى أصبحت تضاهي الفائدة في أهمية توجيه مسار العملة، ما يجعل الصورة أكثر تعقيدا وأكثر ارتباطا بالتوقعات المستقبلية للسوق العالمي والمحلي.
واتخذ بنك إسرائيل قرار خفض الفائدة بنسبة 0.25% بعد فترة طويلة من التشديد النقدي، مستندا إلى جملة من المؤشرات التي سمحت له ببدء عملية تيسير محدودة.
وتراجع معدل التضخم إلى 2.5%، كما تباطأ النمو الاقتصادي مقارنة بالاتجاه طويل الأجل على الرغم من الارتفاع القوي في النشاط خلال الربع الثالث.
إضافة إلى ذلك، تواصل انخفاض أسعار الإسكان للشهر السابع على التوالي، وتراجعت علاوة المخاطر، بينما واصل الشيكل إظهار قدر كبير من القوة، وهو عامل مؤثر في حسابات اللجنة النقدية.
ورغم أن هناك من توقع خفضا أكبر قد يصل إلى نصف نقطة، فإن اللجنة فضلت الحذر بسبب حالة سوق العمل، الذي لا يزال ضيقا مع استمرار نقص العمالة وارتفاع الأجور بوتيرة متسارعة. هذه المعطيات تجعل خطر عودة الضغوط التضخمية قائما، وتحد من قدرة البنك على تنفيذ دورة خفض سريعة أو كبيرة.
وتشير التقديرات الحديثة للبنك إلى أن إجمالي خفض الفائدة قد لا يتجاوز 0.5% إضافية حتى نهاية عام 2026، ما يعكس التزاما واضحا بنهج تدريجي محسوب.
دور محوري
وشكل الشيكل محورا رئيسيا في تحليل القرار، إذ لم يتفاعل مع الخفض بالشكل التقليدي الذي يؤدي عادة إلى تراجع العملة.
ويعود ذلك إلى أن الأسواق كانت قد استوعبت القرار مسبقا ضمن تسعيرها، إلى جانب تحسن بعض مؤشرات الاقتصاد الإسرائيلي في النصف الثاني من العام، خاصة في قطاعي التكنولوجيا والصادرات، إضافة إلى تراجع الدولار عالميا نتيجة التوقعات بخفض الفيدرالي الأميركي للفائدة.
كل هذه العوامل منحت الشيكل دعمًا أبقاه في نطاق مستقر، رغم الظروف المعقدة المحيطة بالاقتصاد الإسرائيلي.
وفي قطاع العقارات، لم يتوقع أن يؤدي خفض الفائدة الأخير إلى تغيير جذري في واقع السوق. فالمطورون والمشترون سيستفيدون من انخفاض تكلفة التمويل، لكن الخبراء يجمعون على أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بسعر الفائدة فقط، بل بضعف القدرة الشرائية للأسر وارتفاع الأسعار وتراجع الثقة الاقتصادية العامة.
لذلك يرجح أن يظل تأثير الخفض محدودًا ما لم يرافقه تحسن في العوامل الهيكلية التي تحكم العرض والطلب.
وتكشف القراءة المستقبلية أن البنك المركزي يوازن بين الحاجة لدعم الاقتصاد ومنع حدوث ضغوط تضخمية جديدة.
فالشيكل، رغم قوته الحالية، يمكن أن يتحول إلى مصدر ضغط إذا تعرض لانخفاض حاد، خاصة أن ارتفاع تكاليف الواردات سيعيد التضخم إلى الواجهة.
وفي المقابل، فإن صلابته الحالية تمنح البنك متنفسا لمتابعة سياسة تدريجية دون خوف من ردود فعل مفرطة في سوق العملات، رغم أن ذلك قد يؤثر سلبا على تنافسية الصادرات إذا بقي الشيكل قويا لفترة طويلة.