تتسارع خطوات التهويد في الضفة المحتلة بوتيرة غير مسبوقة، مع انتقال الاحتلال من مرحلة فرض الوقائع الميدانية بالقوة إلى تشريعها قانونيًا عبر سلسلة قوانين تهدف إلى إعادة صياغة هوية الأرض والنظام القانوني الحاكم لها.
ويأتي القانون الجديد الذي يمنح المستوطنين حق امتلاك الأراضي في الضفة ليشكّل محطة خطيرة في مسار الضمّ الزاحف، إذ يحوّل السيطرة من "قوة احتلال" إلى "ملكية مدنية فردية" للمستوطنين، بما يعني خلق شبكة ممتدة من النقاط الاستيطانية الشرعية قانونيًا وفق المنظومة (الإسرائيلية)، حتى لو كانت غير شرعية وفق القانون الدولي.
هذا التطور لا يأتي بمعزل عن سياق ممتد؛ فالاحتلال يعمل منذ سنوات على تفكيك البنية الجغرافية للضفة عبر توسيع المستوطنات القائمة، وإضفاء الشرعية على عشرات البؤر العشوائية، وبناء طرق التفافية جديدة، وتحويل الكتل الاستيطانية إلى مدن متكاملة الخدمات.
تغيير البنية القانونية للأراض!
الدكتور خليل تفكجي الخبير في شؤون الاستيطان يرى أن القانون الجديد ليس قرارًا عابرًا، بل جزء من مخطط مدروس يستهدف تغيير البنية القانونية للأراضي الفلسطينية بما يخدم مشروع الضمّ الفعلي.
ويوضح تفكجي في حديث لـ"الرسالة نت"، أن الاحتلال يستخدم التشريع كأداة لإعادة تعريف الضفة على أنها مجال حيوي (إسرائيلي)، وهو ما يعكس انتقاله من إدارة السكان إلى إدارة الأرض.
ويشير إلى أنّ السماح للمستوطنين بامتلاك الأرض يعني توسيع قاعدة السيطرة عبر الأفراد، وليس فقط عبر مؤسسات الاحتلال، وهذا سيخلق شبكة واسعة من الملكيات التي سيكون من المستحيل تفكيكها في أي تسوية مستقبلية، وبالتالي تكريس واقع سياسي جديد يتجاوز اتفاقيات أوسلو ونظام المناطق المصنّف.
ويؤكد تفكجي أن القانون سيفتح الباب أمام شرعنة عشرات البؤر الاستيطانية التي كانت حتى وقت قريب تُعد "غير قانونية" وفق التصنيف (الإسرائيلي) الداخلي، ومع هذا التشريع، يمكن تحويل هذه البؤر إلى أحياء سكنية شرعية وربطها بالمستوطنات الكبرى عبر البنى التحتية.
ويحذر المختص في شؤون الاستيطان من أن القانون سيؤدي إلى تسريع عملية خنق التجمعات الفلسطينية، عبر محاصرتها بأملاك خاصة للمستوطنين أو بمناطق مصنفة للاستخدام الاستيطاني، وهذا يعني، بحسبه، تقليص المساحة المتاحة للنمو الديمغرافي والمدني الفلسطيني، ودفع السكان نحو الهجرة القسرية بصمت.
ومع هذا القانون، يصبح التوسع الاستيطاني أكثر سهولة، إذ يمنح المستوطنين أدوات قانونية لشراء الأراضي أو الاستيلاء عليها عبر ترتيبات رسمية، بما يسهّل ضمّ مساحات واسعة من المناطق المصنفة "ج"، التي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة.
القانون يُعد تتويجًا لسياسة الضم!
أما المحلل السياسي والمختص بشؤون الاستيطان سهيل خليلية، يرى أن الاحتلال عمل خلال السنوات الماضية على تهيئة بيئة هندسية وعمرانية تُسهّل التوسع المستقبلي، من خلال شق الطرق الالتفافية وتطوير البنى التحتية وتحويل الكتل الاستيطانية إلى تجمعات سكانية كبيرة ومتكاملة الخدمات، بما يجعلها أكثر جاذبية وقادرة على استيعاب أعداد متزايدة من المستوطنين.
ويوضح خليلية في حديث لـ"الرسالة نت" أن القانون الجديد يضع الفلسطينيين أمام مرحلة مختلفة من الصراع على الأرض، إذ لم يعد الاحتلال بحاجة لذرائع أمنية أو أوامر عسكرية لفرض سيطرته، بل بات يستند إلى غطاء قانوني يمنح المستوطنين تفويضًا مفتوحًا للتوسع.
ووفق تقديره، فإن مواجهة هذا المسار تستدعي تحركًا سياسيًا وقانونيًا دوليًا لكشف الطابع العنصري للتشريع وخرقه للقانون الدولي.
ويشير المختص إلى أن هذا القانون يُعد تتويجًا لسياسة الضم التدريجي التي تتبناها حكومة الاحتلال منذ سنوات، ويعكس توافقًا واسعًا داخل اليمين (الإسرائيلي) على تحويل الضفة إلى فضاء استيطاني كامل.
والقانون الجديد ليس مجرّد تشريع، بل خطوة استراتيجية تُقنّن مشروع (إسرائيل الكبرى) في الضفة، وتدفع باتجاه تسوية تستند إلى الوقائع الميدانية التي يصنعها الاحتلال بكل أدواته العسكرية والقانونية والاقتصادية.
كما واعتبرت منظمات دولية أن القانون يشكل "جريمة استيطان" ويخالف اتفاقية جنيف الرابعة، لأنه يسمح بنقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة.
فيما أن قادة المستوطنين احتفلوا بالقانون واعتبروه "تاريخيًا"، وقالوا إنه "يفتح فصلاً جديدًا في ترسيخ السيادة اليهودية على أرض "إسرائيل الكاملة"، الأمر الذي يعكس نوايا واضحة لابتلاع المزيد من الأرض.