عامان على طوفان الاحرار عامان على طوفان الاحرار

الطفل الأسير ناجي الهندي ... جسد صغير ينهار خوفا من عتمة الزنزانة 

الطفل الأسير ناجي الهندي
الطفل الأسير ناجي الهندي

الرسالة نت - خاص

داخل غرفة ضيقة مكتظة بالأسرى الأشبال، ينام ناجي الأسير ناجي زهير الهندي  قريبًا من الباب، تحسبًا لسقوط مفاجئ أثناء الليل. يعرف رفاقه كيف يهرعون إليه، كيف يرفعون رأسه، وكيف يرشّون الماء على وجهه بقلوبٍ ترتجف خوفًا من أن تكون هذه "النوبة" الأخيرة.

هنا يمكننا أن نعرف تماما ماذا يعني أن يحبس طفل في زنازين "عوفر"، حيث يمتدّ الصمت إلى مالا نهاية، حيث يفبع  الأسير ناجي زهير محمد الهندي من بلدة دير أبو مشعل شمال غرب رام الله، ويعيش وجعًا مضاعفًا لا يراه إلا من عاش اللحظة معه أو حمل عنه جزءًا من الألم. 

تخيل أن طفل لم يتجاوز 15 عاما  لا يواجه قيد الاحتلال فحسب، بل يواجه أيضًا جسده الذي أصبح ساحة أخرى للمعركة؛  معركة تُشنّ ضده بلا توقف.

منذ اعتقاله قبل ثلاث سنوات، بدأ جسدُ ناجي ينهار بصمت. تشنّجاتٌ حادة تضرب أطرافه وتفقده وعيه ثلاث مرات أسبوعيًا، سقوطٌ مفاجئ وسط البرد والجوع والعتمة، ورعشةُ خوف لا تفارقه منذ الليلة الأولى التي داهم فيها السجانون غرفته، تلك الليلة التي تركت في ذاكرته رهابًا لا يفارقه. 

يقول ناجي لمحامية هبئة شؤون الأسرى:  "إذا صار معي ضغط أو خفت من أي إشي؛ خصوصًا الاقتحامات الليلية؛  بتشنّج، بوقع عالأرض، وبغيب عن الوعي. والشباب بيصحّوني برش المي على وجهي."

لم تكن تلك الكلمات وصفًا نظريًا، فقد شاهدت المحامية بعينها سقوطه المفاجئ خلال جلسة المحكمة الأخيرة.

بومها جلستُه لم تكتمل؛ فاللحظة التي لمح فيها شقيقته بين الحضور كانت كفيلة بأن تشعل موجة اشتياق وغضب عارم، تدفّق فيها الحنين كالسيل، وعجز الجسد عن الاحتمال، فانهار ناجي أمام الجميع، وارتفعت صرخات الأسرى قبل أن يُنقل خارج القاعة.

ورغم كل ذلك، ما تقدمه إدارة السجن له لا يتعدى حبة مهدّئ واحدة أسبوعيًا؛ دواء يكفي ليوم واحد قبل أن تعود النوبات لتنهش أطرافه وتطرق رأسه كالمطرقة.

ثلاث وثلاثون يومًا قضاها ناجي في زنازين التحقيق، معزولًا في مساحة لا تكفي لوقوف إنسان، دون ضوء، دون دواء، دون فراش يقيه البرد؛  تلك الأيام وحدها كانت كافية لتحويل جسد قوي إلى هيكلٍ هشّ ينتظر الانهيار.

اليوم، بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اعتقاله دون حكم، ما يزال ناجي يواجه سلسلة طويلة من الإهمال الطبي المتعمد. لا مواعيد مراجعة، لا فحوصات، لا خطة علاج، ولا اعتراف بأن حالته الصحية في تدهور مستمر. النوبات تزداد شدة، والوزن يتراجع، والذاكرة تتعب، والروح تئنّ تحت وطأة انتظار لا ينتهي.
في عوفر، ليس المرض وحده ما يقتل… بل الانتظار.
انتظار جلسة مؤجلة، أو دواء مفقود، أو لحظة لقاء لا تُعرف إن كانت ستكتمل.

من جديد ؛ قصة أخرى؛  شهادة حيّة على الإهمال الطبي المتعمّد، وعلى سنوات اعتقال دون محاكمة، وعلى جسدٍ يُترك ليهوي ببطء تحت سياط السجان؛ لكن صوته، رغم كل شيء، ما يزال يخرج خافتًا من خلف القضبان:
"أنا بس بدي علاج… وبدي أضل صاحي."

البث المباشر