في دراسة بحثية جديدة، أصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة سياسات تحليلية موسعة ترصد الانهيار الصحي والإنساني غير المسبوق الذي يواجهه الأطفال في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، معتبرًا أن ما يجري يشكّل "أكبر مأساة إنسانية يتعرض لها الأطفال في العالم خلال القرن الحادي والعشرين".
وتحمل الدراسة عنوان: انهيار منظومة حماية الطفولة في غزة: تحليل لواقع الأطفال في ظل الحرب والتجويع وانهيار الخدمات الصحية، وهي دراسة تحليلية متعددة المحاور، تضمّنت بيانات رسمية ودولية، وتقييمات طبية وإنسانية، إضافة إلى توصيات عملية موجَّهة لصناع القرار والمؤسسات الدولية والإغاثية.
أرقام صادمة
ترصد الورقة أرقامًا غير مسبوقة، أبرزها تجاوز عدد الشهداء من الأطفال 20 ألف شهيدًا، وتوقف الحاضنات وانعدام الرعاية الصحية، كما تشير إلى وفاة 825 طفلًا دون العام الأول بسبب القصف ونقص العلاج، إضافة إلى آلاف الأطفال الذين أُصيبوا بإعاقات دائمة، وفقدوا أطرافهم أو أعضاءهم الحسية.
وتحذّر الورقة من أن هذه الأعداد "لا تعكس الصورة الكاملة"، إذ لا تشمل الوفيات الناتجة عن الجوع أو الأمراض أو نقص الدواء، وهي عوامل باتت جزءًا من الحياة اليومية في القطاع.
انهيار كامل للقطاع الصحي
تشير الدراسة إلى خروج أكثر من 70% من المرافق الصحية عن الخدمة، ووقف برامج التطعيم منذ يناير 2024، ونفاد الأدوية الأساسية، بما فيها حليب الأطفال والمضادات الحيوية ومحاليل الجفاف، ما تسبب في وفاة عشرات الخدج وعجز المستشفيات عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية.
كما وثّقت الدراسة اعتماد الاحتلال سياسة ممنهجة في استهداف المستشفيات وتعطيل الحاضنات، الأمر الذي أدى إلى “انهيار وظيفي كامل” للمنظومة الصحية في غزة.
أزمة وبائية غير مسبوقة
تسلّط الورقة الضوء على ارتفاع إصابات الإسهال الحاد بنسب مرتفعة، وتفشي أمراض الجهاز التنفسي، وانتشار الجرب والقمل، وظهور حالات حصبة وشلل أطفال نتيجة انقطاع التطعيمات، وتقول الدراسة إن الأطفال أصبحوا “الضحية الأولى للأوبئة والعدوى في ظل غياب العلاج”.
انهيار شروط الحياة الأساسية
ترصد الدراسة معاناة مئات آلاف الأطفال الذين يعيشون في خيام بلا عزل أو صرف صحي، ويستهلكون مياهًا غير صالحة للشرب بنسبة تفوق 70%. كما يتعرض الأطفال لأعباء قاسية مثل جمع الحطب ونقل الماء، وفقدان التعليم واللعب والحماية، إلى جانب صدمات نفسية مستمرة نتيجة القصف وفقدان المنزل أو أحد أفراد العائلة.
جريمة حرب موثّقة
تؤكد الورقة أن تجويع السكان، ومنع دخول الغذاء والدواء، واستهداف المرافق الطبية، هي جرائم حرب موثقة يحظرها القانون الدولي، استنادًا إلى تقارير منظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و“أطباء بلا حدود”.
توصيات عاجلة
وتقدم الورقة مجموعة من التوصيات، من أبرزها: تفعيل قنوات الإغاثة الدولية وإدخال الأدوية والمعدات الخاصة بالأطفال، فتح ممرات إنسانية دائمة وآمنة، إعلان غزة منطقة كوارث صحية وإنسانية، تدويل الانتهاكات بحق الأطفال والقطاع الصحي أمام المحكمة الجنائية الدولية، دعم النظام الصحي المحلي وإعادة تشغيل المستشفيات الحرجة، وإطلاق برامج دعم نفسي عاجل للأطفال والناجين.
دور بحثي ومسؤولية وطنية
أكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، في تقديمه للورقة، أن "حماية الأطفال في غزة ليست مجرد استحقاق إنساني، بل ضرورة سياسية وأخلاقية لضمان مستقبل الأجيال القادمة".
وأشار المركز إلى أن هذه الدراسة تأتي في إطار دور المركز المتصاعد في إنتاج أوراق سياسات دقيقة وموثوقة لدعم صانعي القرار الفلسطيني، وتعزيز الوعي الإقليمي والدولي بحجم الكارثة الإنسانية في غزة.
دعوة إعلامية
يدعو المركز وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية إلى الاستفادة من نتائج وتوصيات هذه الورقة، ونشر مضامينها، والمساهمة في نقل الصورة الحقيقية لمعاناة أطفال غزة، بوصف ذلك خطوة أساسية نحو الضغط الدولي لإنهاء المأساة