عامان على طوفان الاحرار عامان على طوفان الاحرار

أهالي حي الشجاعية.. خيام على حافة الموت

أهالي حي الشجاعية.. خيام على حافة الموت
أهالي حي الشجاعية.. خيام على حافة الموت

الرسالة نت- متابعة

يمكن للمارّ أن يظنّ أن الشجاعية لم تكن يومًا حيًّا نابضًا بالحياة. فمنذ أعلنت قوات الاحتلال “الخطّ الأصفر” كحدّ لانسحابها في 10 أكتوبر 2025، تحوّل الحي إلى بقعة رمادية معلّقة بين هدنة هشّة ورقابة عسكرية خانقة.

خطٌّ مرسوم بالطلاء والمكعّبات الإسمنتية الصفراء، وضعه الجنود ليلًا أمام بقايا منازل الناس، صار أشبه بسكين يشقّ قلب الحيّ إلى نصفين: نصفٌ تلتهمه الأنقاض، ونصفٌ يعيش فوق الرماد.

على بضعة أمتار من الخطّ، تُقيم العائلات خيامها الهشّة. الريح تُفلت أطراف القماش المهترئ فتصفّر فيه كما لو أن الخيمة نفسها تنتحب.

هنا يعيش رجال ونساء نزحوا عشرات المرّات؛ بعضهم قال إنه انتقل من منزل إلى آخر أكثر من ست عشرة مرة منذ بداية الحرب. لكن حتى المكان الذي وجدوه الآن ليس ملجأً حقيقيًا: فالخطّ الأصفر يتقدّم نحوهم كل أسبوع، يزحف ببطء كأنه يبتلع الحيّ وأهله قطعة بعد أخرى.

يرفع الناس رؤوسهم نحو تلة المنطار، حيث كانت بيوتهم تعجّ بالحياة. اليوم يقف موقع عسكري يراقب كل حركة، يحدّد من يعيش ومن يموت.

وزير جيش الاحتلال قال بوضوح: “أي محاولة لعبور الخط ستواجه بإطلاق النار.” ولهذا، يقف أهالي الشجاعية أمام ركام بيوتهم من بعيد؛ يعرفون أن جثث أحبّتهم تحت الأنقاض، لكن لا يسمح لهم بالاقتراب.

قبل أسبوع، دفع جيش الاحتلال الخطّ 300 متر غربًا في حي التفاح شرق مدينة غزة، مما أدى إلى نزوح مئات المواطنين تحت تهديد إطلاق النار. وفي الشجاعية، حدّد الاحتلال خطًا أصفر جديدًا بعد أن أسقطت طائراته مناشير قرب مفترق الحي تحذّر السكان من الاقتراب أو تجاوز المنطقة المرسومة حديثًا.

النساء يمسحن التراب عن وجوه أطفالهن، وينشرن الغسيل فوق حبال قصيرة ترفرف كما لو أنها محاولة صغيرة للقول: ما زلنا هنا.

الأطفال يلعبون بحذر، يلتفتون كل لحظة نحو الموقع العسكري، يعرفون تمامًا أن الخط ليس مجرد طلاء، بل حدود حياة وموت.

في الخلفية، تتحدّث تقارير دولية عن خنق حقيقي للحياة.

وثّق مكتب الإعلام الحكومي 393 خرقًا للاتفاق خلال أسابيع قليلة، بينها 113 حادثة إطلاق نار مباشر على مدنيين وملاجئ مؤقتة، أسفرت عن استشهاد 279 فلسطينيًا وإصابة 652 آخرين.

 منظمة " أوتشا" أشارت إلى أحياء مدمّرة لا يسمح بدخولها، وإلى آلاف السكان الذين حُرموا حتى من انتشال جثثهم.

أحد سكان الشجاعية قال لوسائل الإعلام:“عندما استيقظنا وجدنا المكعبات الصفراء أمام بيوتنا؛ شعرنا أننا أصبحنا خارج غزة… خارج الحياة.”

وفي هذا المكان، حيث تنتهي الطرق وتبدأ الهاوية، تنام الشجاعية وتستيقظ على فكرة واحدة:أن الزمن هنا لا يتحرك، وأن الخط الأصفر يحدّ أنفاسها، يمنع أبناءها من العودة، ويحكم على الوقوف على أطراف الحي بأن يكون انتظارًا طويلًا لمستقبل لا يبدو قريبًا.

البث المباشر