رغم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يواصل الاحتلال تسجيل خروقات خطيرة ومتكررة، تؤكد أن ما يجري على الأرض لا يمتّ إلى “وقف إطلاق نار” بصلة، بل إلى إعادة تدوير للعدوان بأدوات مختلفة.
فالمشهد العام في غزة يكشف أن القتل لم يتوقف، وأن الإبادة لم تُجمَّد، وإنما تغيّرت فقط أشكالها ووتيرتها.
خروقات متواصلة
على امتداد الأيام الأخيرة، حصدت الخروقات (الإسرائيلية) مزيدًا من الشهداء داخل مناطق تُعد – وفق خرائط الاتفاق – آمنة ومحظور استهدافها.
ففي حيّ التفاح شرق مدينة غزة، ارتكب الاحتلال جريمة قصف مدفعي مكثف، أسفرت عن استشهاد أربعة مواطنين، وإصابة آخرين، إضافة إلى إجبار عشرات العائلات على النزوح القسري تحت وطأة النيران والانفجارات.
المشاهد القادمة من الحي تُظهر منازل مدمّرة ووجوهًا مذعورة لأهالٍ فرّوا حاملين أطفالهم تحت المطر والنيران.
وفي حيّ الزيتون جنوب المدينة، وثّقت الطواقم الطبية استشهاد مواطنين اثنين جراء قصف مفاجئ طال أطراف الحي، رغم أنه مصنّف منطقة تهدئة.
وشهدت المنطقة حالة من الهلع بين السكان، الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد يتكرر: “تهدئة على الورق… ونار في الميدان”.
أما في مخيم البريج وسط القطاع، فقد استُشهد مواطن بعد استهداف مباشر لأحد الشوارع الداخلية، ما يؤكد مرة أخرى أن الاحتلال يتعامل مع الهدنة باعتبارها فرصة مفتوحة للتصويب والاستهداف، لا لوقف إطلاق النار.
وفي خان يونس جنوب القطاع، استُشهد صحفي فلسطيني أثناء توثيقه مشاهد الدمار وسط مدينة خانيونس، وفي المنطقة المصنفة آمنة أيضا.
اغتيال الصحفي محمود وادي يأتي في سياق استهداف ممنهج للصحفيين منذ الأيام الأولى للحرب، ضمن مسعى واضح لإسكات الصورة والرواية ومنع أي توثيق لجرائم الخرق المتصاعدة.
ورغم الحديث السياسي المتواصل عن “التزام نسبي” بوقف إطلاق النار، يرى المراقبون أن الاحتلال يستخدم هذا التوصيف ليُخفي واقعًا واضحًا.
الكاتب والمحلل السياسي علي فوزي قال للرسالة نت: العدوان لم يتوقف، بل أعاد إنتاج نفسه عبر أدوات أخرى، فالقصف المدفعي المتقطع، وعمليات النسف والتجريف، والتحرش بالنقاط المدنية، واقتحام المناطق الحدودية… كلها تشكّل خروقات صريحة للاتفاق.
وفي الأيام الأخيرة، نفّذت قوات الاحتلال عمليات نسف متواصلة في محيط مناطق شرقية من غزة وخان يونس، مستهدفة منازل وبنى تحتيّة، بحجة “إزالة تهديدات”.
وأضاف فوزي: 'في الحقيقة، تكشف الصور الميدانية أن ما يجرى هو عملية تدمير إضافي غير مبرّر، تسعى من خلالها (إسرائيل) لتغيير الوقائع الجغرافية أثناء الهدنة، الأمر الذي يتجاوز الاعتبارات العسكرية إلى سياسة عقاب جماعي واضحة.
الطواقم الطبية، ومنظمات حقوق الإنسان، وثّقت خلال الأيام الماضية عشرات الخروقات التي خلّفت شهداء وإصابات، معظمهم من المدنيين. وتشير التقارير إلى أن الاحتلال استهدف نقاطًا يُفترض أنها آمنة بموجب التنسيق مع الوسطاء، إلى جانب إطلاق نار مباشر في محيط مراكز الإيواء، ومحاولات اقتحام ليلية لمناطق جنوب القطاع.
وتؤكد مصادر طبية في غزة أن جزءًا كبيرًا من الإصابات ناتج عن شظايا القذائف المدفعية وعمليات النسف، وهو ما يشير إلى منهج ثابت وليس "حادثًا معزولًا".
كما يسجّل الهلال الأحمر الفلسطيني حالات إخلاء تحت النار، ما يضع فرق الإسعاف في دائرة الاستهداف المستمر.
من جهتها، ترى مؤسسات حقوقية فلسطينية أن الاحتلال يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره “غلافًا سياسيًا” يسمح له بمواصلة الضغط الميداني، وأنه يستخدم الخروقات القاتلة كأداة تفاوض في المرحلة المقبلة.
وتعتبر هذه المؤسسات من بينها مركز غزة لحقوق الإنسان أن استمرار القتل داخل مناطق آمنة يبرهن على أن “الردع الإسرائيلي” ما يزال يُبنى على دم المدنيين.
وفي ضوء التصعيد الميداني، تتزايد الدعوات الفلسطينية والعربية والدولية إلى إلزام الاحتلال بالتوقف الفوري عن خرق الاتفاق.
ويشير علي فوزي إلى أن بقاء الهدنة مرتبط بمدى قدرة الوسطاء على صياغة آليات رقابة صارمة، تُجبر الاحتلال على الالتزام بحدود وقف إطلاق النار، وتمنع تحوّل الهدنة إلى غطاء لعمليات قتل بطيئة أو “إبادة منخفضة الوتيرة”.
وأشار إلى أن المجتمع الفلسطيني بات يرى أن ما يجري اليوم ليس وقفًا لإطلاق النار، بل استمرارًا للعدوان بجرعات أقل صخبًا وأكثر خطرًا.
ومع كل شهيد يرتقي داخل منطقة آمنة، تترسخ القناعة بأن الاحتلال يستغل الصمت الدولي ليعيد تشكيل خريطته العسكرية على حساب حياة المدنيين.
وفي ظل هذه الحقائق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الوسطاء فرض التزام فعلي على الاحتلال؟ أم ستتحول الهدنة إلى مساحة مفتوحة لارتكاب الخروقات التي تُنتج شهداء يوميًا، بينما العالم يكتفي بالمشاهدة؟