التفوق في زمن القصف.. كيف يواصل طلاب غزة تحقيق أحلامهم؟

التفوق في زمن القصف.. كيف يواصل طلاب غزة تحقيق أحلامهم؟
التفوق في زمن القصف.. كيف يواصل طلاب غزة تحقيق أحلامهم؟

الرسالة نت- كريمان البحيصي

في قلب غزة، حيث ما زالت آثار الحرب واضحة، جلست نغم محمد (19 عامًا، الفرع الأدبي، معدل 93) تتذكر سنتين من الدراسة المتقطعة والامتحانات المؤجلة بسبب القصف، والرحلات اليومية الطويلة إلى الدروس الخصوصية على الأقدام.

"كنا نذهب إلى الدروس مشيًا، دون مواصلات، ودون أي من مقومات الحياة. كان الطعام خفيفًا جدًا، وأحيانًا نؤجل الغداء لأن الغذاء كان شحيحًا، ونكتفي بشوربة بسيطة فقط في ظل المجاعة التي كانت منتشرة"، تحكي نغم بصوت خافت.

ولم يكن الخوف من القصف وحده ما يثقل كاهلها، بل أيضًا الظروف المنزلية الصعبة حيث كان منزلها مأوى لنحو 50 نازحًا، والكهرباء والإنترنت لم يكونا متاحين إلا بصعوبة، وغالبًا ما كان عليها دفع مبالغ عالية لشحن الكشاف أو الحصول على اتصال مؤقت بالإنترنت.

"كنت أحتاج إلى تابلت لتلقي الدروس عبر الإنترنت، لكن التكاليف مرتفعة جدًا… رغم كل هذا، لم أستسلم"، تقول نغم. 

وعند إعلان نتائج التوجيهي، ارتسمت على وجهها ابتسامة كبيرة: "شعرت أن كل التعب لم يضع عندما شاهدت فرحة أهلي بعد حرب إبادة طاحنة، كانت أول فرحة نفرحها".

رغم كل الصعوبات، اختارت متابعة حلمها في دراسة التمريض، متمنية تجاوز قيود الإنترنت والتكاليف المرتفعة لتتمكن من متابعة حياتها الجامعية بشكل أفضل.

حرب الإبادة والدراسة في غزة 

بينما يواصل الطلاب طريقهم نحو المستقبل، نجد مرفت علاء (19 عامًا، الفرع الأدبي، معدل 93.5) تقف على عتبة مرحلة جديدة بعد التفوق في التوجيهي، رغم الضغوط النفسية والجسدية التي عاشتها أثناء الحرب.

"كنت أدرس وأسمع صوت القصف… شعرت أن المستقبل مجهول، وأنه لا حياة بعد، لكن مع اقتراب موعد الامتحانات، كنت مجبرة على الاستمرار"، تقول مرفت.

كما تحملت مسؤولية تعليم أخيها في الصف السادس بعد توقف المدارس، بحثت عن كتب دراسية وبطاقة إنترنت للدراسة، وواجهت صعوبات مالية كبيرة، إضافة إلى الحاجة للذهاب لأماكن بعيدة لشحن الكشاف بمبالغ مرتفعة، ما زاد الضغط عليها خاصة في هذه المرحلة الانتقالية من دراستها.

وعند إعلان نتيجة الثانوية العامة، شعرت مرفت بفرحة لا توصف: "شعرت بفرحة كبيرة وكأن الحياة عادت لي. انتهت مرحلة مهمة، والآن أبدأ مرحلة جديدة ستحدد مستقبلي".

تحلم مرفت بدراسة تكنولوجيا المعلومات (IT)، وتأمل في الحصول على منحة خارج غزة لتجربة جامعية أفضل وبناء مستقبل بعيد عن آثار الحرب، مؤكدة أن التفوق هو أول خطوة نحو استعادة الحياة التي سرقتها الحرب من شباب غزة.

وفي مشهد آخر، يقف تحدٍ آخر أمام حلا سلمي (19 عامًا، الفرع العلمي، معدل 97) التي نزحت من شرق القطاع إلى الجامعة الإسلامية، لكنها محرومة اليوم من الدراسة بسبب أوضاعها المالية الصعبة.

ومنذ نزوحها، افتتحت حلا بسطة صغيرة لبيع البسكويت داخل الجامعة لمساعدة عائلتها، واستمرت في إكمال دراستها الثانوية العامة بينما تدير البسطة، حتى أنهت تعليمها بنجاح، إلا أن حلمها بدراسة طب الأسنان ما زال معلقًا بسبب عدم قدرة العائلة المالية حتى على استخراج شهادة الثانوية العامة.

والدها يقطع يوميًا عشرات الكيلومترات لجلب ربطة خبز مجانية من حي الزيتون للجامعة، بينما تدخل زميلاتها الجامعة كل يوم، وتظل حلا خارج أسوار الدراسة، تتحسر على أوضاعها وظروفها.

رغم كل هذا، لم تفقد حلا الأمل، ولا تزال تسعى للحصول على منحة دراسية تمكنها من متابعة حلمها بدراسة طب الأسنان.

واقع التعليم في غزة بعد الحرب

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، أدت الحرب إلى تدمير 165 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية تدميرًا كاملًا، فيما تعرضت 392 منشأة تعليمية لأضرار جزئية، ما شل القطاع التعليمي بشكل كبير.

وبينما عادت الجامعات إلى العمل بعد توقف العدوان الإسرائيلي، يواجه الطلاب تحديات هائلة، منها ارتفاع الرسوم، صعوبة المواصلات، وقلة الموارد، مما يمنع الكثير منهم من استكمال تعليمهم الجامعي.

ورغم الدمار والقيود الاقتصادية والاجتماعية، يواصل طلاب غزة تحدي الصعوبات اليومية لإكمال تعليمهم، مدفوعين بإيمانهم بأهمية العلم كوسيلة للبقاء والأمل.

وتسعى الجامعات والمؤسسات التعليمية إلى دعمهم من خلال مكتبات رقمية ومساحات آمنة، مؤكدين أن التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل أداة أساسية لإعادة بناء الحياة والمجتمع بعد الحرب.