قائمة الموقع

عن وصية رفعت العرعير التي لم تُنسَ

2025-12-06T20:48:00+02:00
عن وصية رفعت العرعير التي لم تُنسَ
الرسالة نت- خاص

حين كتب رفعت العرعير كلمته الأخيرة: " إن كان لابد أن أموت فلتعش أنت لتحكي روايتي "، لم يكن يكتب وصية شاعر، بل كان يرسم الطريق الذي ستسلكه روحه بعد رحيله. 

لم يكن يعلم أن الموت سيأتيه بهذه السرعة، ولا أن القصف سيغتال بيته وكل من فيه، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أن ما يبقى بعد الإنسان هو الحكاية، وأن دوره أن يضمن لها أن تجد من يحملها.

بعد استشهاده، لم تُنفّذ وصيته عبر طقوس الوداع ولا عبر رثاء طويل، بل نُفذت بالطريقة التي أحبها وعلّمها: بالكلمات. مشروعه الذي أسسه، We Are Not Numbers، تحول إلى مرجع أساسي لكل من يبحث عن أصوات غزة، كأن روحه بقيت تضع يده على كتف كل كاتب شاب يقول له: "اكتب… لا تسمح لهم أن يحولونا إلى أرقام." 

وتدفقت القصص بعده، قصص الألم والبقاء والنجاة، قصص بيوت سقطت وأطفال اختفوا وقلوب تمسكت بالحياة، قصص لا يمكن للموت أن يبتلعها.

شعره تُرجم إلى لغات العالم، وصوته انتشر في قاعات الجامعات ومراكز الثقافة ومنصات الإعلام. ترددت عبارته الشهيرة في تظاهرات التضامن وقُرئت في أمسيات أدبية وحُفظت كأنها تعويذة ضد المحو.

 لم يعد البيت الشعري مجرد كلمات، بل تحول إلى عهد: كل من بقي حيًا في غزة أو خارجها صار يشعر أنه معني بهذه الوصية، وأن لديه شيئًا لم يكتمل بعد.

الأكثر تأثيرًا أن الذين كتبوا معه قبل الحرب عادوا للكتابة بعد رحيله بقلب مثقوب، كأن كل سطر يكتبه أحدهم هو محاولة صغيرة لإرجاعه إلى الحياة. وحتى الذين لم يعرفوه إلا عبر نصوصه شعروا أن عليهم أن يتحدثوا عنه، أن يسردوا سيرته، أن يحموا إرثه. 

كل طفل كتب قصة بعد الحرب كان يكمّل صفحة بدأها رفعت، وكل أم كتبت عن فقدها كانت تُنقذ ذاكرة من النسيان.

لقد نُفذت وصيته لأن الاحتلال الذي أراد أن يصمت صوته، وجد أن صداً هائلاً قد خرج من تحت الركام، صدى يعلو ولا ينتهي، يتردد في المخيمات وعلى أطراف المدارس المهدمة، وفي القلوب التي ما زالت تؤمن أن الكلمة آخر ما يمكن أن يُقصف.

هكذا عاش رفعت بعد موته: في كل قصة تُكتب، في كل شاعر يرفع رأسه رغم الظلام، في كل عين ترى الحقيقة ولا تخاف أن تقولها. لم يكن يريد أن يُبقى اسمه، بل أن يُبقي الحكاية. واليوم، كل من يكتب عن غزة، يكتب وصيته من جديد: إذا كان لا بد أن يموتوا، فنحن نكتب… ونحكي… ونمنح الذاكرة حياة لا يمكن أن يهدمها القصف.

حروف لا أرقام 

بعد 7 أكتوبر 2023، أفادت التقارير أن 44 كاتبًا وفنانًا ومثقفًا غزاويًا استشهدوا، بينما اضطر العديد من الباقين للنزوح إلى مناطق أقل تضررًا أو إلى الشتات الفلسطيني، منهم من وصل إلى الضفة الغربية، ومنهم من لجأ إلى الخارج لاستكمال أعمالهم الأدبية والفنية.

رغم هذه الخسائر، استمر الأدب الفلسطيني في مواجهة المحنة بالكلمة. فقد تحولت القصائد اليومية، والمقالات، والروايات القصيرة، واللوحات، وحتى التدوينات الإلكترونية، إلى شهادات حية على الحياة رغم الموت. فالأدب بعد 7 أكتوبر لم يعد ترفًا، بل أصبح سلاحًا ثقافيًا للمقاومة والاحتفاظ بالهوية.

تجسد تجربة الأدب الفلسطيني بعد العدوان حالة مقاومة متواصلة ضد محاولات محو الذاكرة الثقافية. كل بيت مكتوب، كل قصة قصيرة، كل لوحة مرسومة، وكل نص مسرحي يُعرض، يمثل صرخة ضد النسيان والعزلة. 

وقد أظهرت الإحصاءات أن 8 دور نشر ومطابع توقفت عن العمل تمامًا، بينما لجأ بعض الكتاب لنشر أعمالهم رقميًا على منصات عالمية أو إرسالها إلى مهرجانات أدبية خارج غزة، محاولةً إيصال صوت المدينة رغم الانقطاع المستمر للكهرباء والإنترنت.

إلى جانب هؤلاء الأدباء، ظهر جيل جديد من الكتّاب الفلسطينيين، الذين لم يعايشوا القصف مباشرة، لكنهم كتبوا عن ذكريات العائلات النازحة، الأطفال الذين فقدوا أحلامهم، والبحر الذي أصبح شاهدًا على الخراب. هذه النصوص تمثل استمرارًا للتقاليد الأدبية الفلسطينية في رصد الواقع وتحويل المعاناة إلى فن.

في النهاية، يصبح الأدب الفلسطيني بعد 7 أكتوبر 2023 شهادة على الصمود والمرونة الثقافية. رغم الأرقام المرعبة والخسائر الفادحة، ما زالت الكلمات حية، والفن مستمر، والأدب يكتب يوميًا في غزة وعلى لسان كل فلسطيني يسعى للحفاظ على هويته الثقافية والتاريخية.

أسماء مثل رفعت العرعير، امثلة أبدية على مقاومة الكلمة في مواجهة الخراب، وصرختنا التي يجب ان نرددها " لن يرحلوا وإن قتلهم الاحتلال"

اخبار ذات صلة
«بيبي».. لمَ أنت صامت
2010-10-26T07:12:00+02:00