لا يكاد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يصمد لساعات حتى يعود الاحتلال ليكرّر خروقاته الممنهجة، في سياسة باتت أقرب إلى «إدارة حرب منخفضة الوتيرة» تهدف إلى تفريغ الاتفاق من مضمونه، وتثبيت واقع ميداني جديد تحت ستار «التهدئة».
خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية استشهد سبعة مواطنين في قصف استهدف مناطق متعددة من القطاع، إلى جانب انتشال جثمانَين ارتقيا في أيام سابقة نتيجة تأخّر وصول طواقم الإنقاذ بفعل القيود العسكرية. هذه الحصيلة تعكس حجم العدوان الذي يتواصل رغم الالتزامات الدولية.
بؤر العدوان… خروقات متزامنة ومتوسّعة
تركّزت هجمات الاحتلال في شرق خان يونس، وبني سهيلا، والشيخ ناصر، حيث سجّلت عمليات قصف وتمشيط وتوغّل محدود بالدبابات. وفي الشمال استهدف القصف بيت لاهيا وجباليا والمغازي، مع استمرار أعمال التجريف وإطلاق النار من مواقع «السيطرة النارية» التي ينشرها الجيش خلف «الخط الأصفر».
ويشير شهود عيان إلى أن الاحتلال يواصل إزاحة «الخط الأصفر» شرقًا في أكثر من منطقة، ويثبت نقاط مراقبة جديدة مع تركيب مكعبات إسمنتية صفراء تُستخدم كمتاريس عسكرية لتأمين محيط الآليات وتوسيع نطاق السيطرة.
محاولات لفرض قواعد جديدة
يرى مختصون أن هذه الخروقات لا تأتي صدفة، بل في إطار محاولة لإعادة تعريف وقف إطلاق النار بما يخدم أجندة الاحتلال.
المحلل السياسي ذو الفقار سويرجو أكد لـ«الرسالة نت» أن ما يجري هو «محاولة لفرض وقائع على الأرض عبر تنفيذ تقدمات محدودة وقياس ردود الفعل، لتهيئة جولات قادمة من التمدد العسكري».
وأضاف: «إسرائيل تتعامل مع التهدئة كاستراحة قتالية وليست التزامًا حقيقيًا. وإزاحة الخط الأصفر مؤشر واضح على نية الاحتلال تثبيت خطوط تماس جديدة».
ويتفق معه الكاتب والمحلل السياسي عاهد فروانة، الذي يرى أن الخروقات تهدف بالدرجة الأولى إلى إفقاد الاتفاق قيمته:
«الاحتلال يسعى لتحويل وقف النار إلى ورقة ضغط. كل خرق محسوب بعناية ليقول للعالم: نحن نتحكم بالميدان ونحن من يحدد سقف التهدئة».
وتابع: «هذا السلوك، إن استمر دون رد سياسي وإعلامي فلسطيني منظّم، سيحوّل الاتفاق إلى مجرد هدنة شكلية بلا ضمانات».
أمام هذا الواقع، يؤكد شهود العيان أن عملية التوثيق لا تتوقف: صور لدبابات تتقدّم شرق خان يونس، مكعبات صفراء جديدة في الشيخ ناصر، غارات على بيت لاهيا، وعمليات انتشال شهداء من بين الركام في جباليا والمغازي.
في الميدان تتردّد رسالة واحدة: الصمت على الخروقات ليس خيارًا. المعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل معركة سرد ورواية وصمود؛ والاحتلال يحاول بكل الوسائل أن يفرض «تهدئة تحت النار».
مع استمرار سقوط الضحايا واتساع التوغلات المحسوبة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام هدنة قابلة للانهيار أم أمام استراتيجية تهدف إلى تغيير قواعد الاشتباك خطوة بخطوة؟