قائمة الموقع

عائلة الطبيب الشهيد عدنان البرش تطلق حملة لاسترداد جثمانه

2025-12-08T11:40:00+02:00
IMG_4259.png
الرسالة نت - خاص


أطلقت عائلة الطبيب الفلسطيني الشهيد عدنان البرش حملة شعبية واسعة للمطالبة باسترداد جثمانه المحتجز لدى سلطات الاحتلال منذ استشهاده داخل السجون الإسرائيلية، بعد أسابيع على اعتقاله وتعذيبه في معتقل "سديه تيمان"، الذي غدا رمزًا لسياسات البطش المُمنهج بحق الفلسطينيين. 

شكّلت هذه الخطوة صرخة لم تخمد منذ الإعلان عن رحيله، ورسالة تؤكد أنّ هذا الطبيب، الذي كان يُصارع الموت لإنقاذ الضحايا، لم يكن ليُغادر الحياة بصمت، بل بحملة تُحيي سيرته وتوثّق جريمته.

عائلة البرش، التي ما زالت تعيش صدمة فقده، قالت إن الحملة جاءت لتخليد ذكراه والتأكيد على حقها في استرداد جثمانه ودفنه بما يليق بقامة إنسانية وطبية مشهود لها في غزة.

 وذكر الطبيب إياس البرش، ابن شقيق الشهيد، أنّ العائلة تلقّت خبر استشهاد عدنان بعد خمسة أيام من تاريخ وفاته، في الـ19 من أبريل/نيسان 2024، وهو ما أثار مزيدًا من الغضب والشكوك حول ظروف احتجازه وتعذيبه في السجن.
 

فقد حُرم الطبيب من أدنى حقوقه الإنسانية، واحتجزت سلطات الاحتلال جثمانه ضمن سياسة واضحة تهدف إلى ابتزاز أهالي الشهداء وردعهم.
حملة دولية لاسترداد جثمانه

ويرى إياس، الذي عاش التجربة ذاتها بعد اعتقاله من مجمع الشفاء وتعرضه للتعذيب قبل الإفراج عنه في صفقة التبادل بتاريخ 15 فبراير/شباط 2025، أنّ استشهاد عمه يعكس مشهدًا واحدًا يتكرر مع عشرات الأسرى من القطاع، فهؤلاء، كما يقول، "استشهدوا نتيجة القهر والتعذيب، فيما يواجه من تبقى ظروفًا لا يمكن وصفها إلا بأنها لاإنسانية"، مضيفا: انطلقت الحملة بداية كتحرك عائلي محدود عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتسع آمال العائلة في تبني مؤسسات حقوقية محلية ودولية لها، للضغط على الاحتلال وتسليط الضوء على ظروف استشهاده، والمطالبة بإنهاء سياسة احتجاز الجثامين وفتح تحقيق دولي شفاف في ملف الأسرى.

ورغم أنّ العائلة كانت تأمل إدراج جثمان عدنان ضمن الجثامين التي أُفرج عنها في إطار صفقة التبادل الأخيرة برعاية مصر وقطر وبدعم أمريكي، إلا أنّ الاحتلال لم يقدّم أي إشارات توضح مصير جثمانه، لتظل القضية عالقة في سياق الانتهاكات المستمرة التي تستهدف المعتقلين الفلسطينيين.

وفي سياق متصل، فجّر مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، موجة غضب جديدة حين تحدث عن "جرائم مركبة" ارتكبها الاحتلال بحق المعتقلين، شملت التعذيب وسرقة الأعضاء وإحراق الجثامين وترك الكلاب تنهش أجساد الضحايا. 

وقال في منشور عبر "فيسبوك" إن الوزارة تسلمت أكثر من 300 جثمان بدا عليها آثار إعدام ميداني ودهس وتنكيل. 

وأظهرت تقارير التشريح، وفق قوله، استئصال أعضاء مثل الكلى والكبد والقرنيات، ما يشير إلى عمليات سرقة أعضاء منظمة تنفذها جهات مختصة داخل معتقلات الاحتلال. واعتبر أن ما يجري "جريمة تستوجب تحقيقًا دوليًا عاجلًا"، ولا يمكن التعامل معها كحالات فردية معزولة.

الطبيب عدنان البرش الإنسان

أما الشهيد عدنان البرش، فقد كان اسمه حاضرًا طوال الحرب على غزة في صورة الطبيب الإنسان، إذ ارتبط صوته وصورته بآلاف المتابعين الذين كانوا يرونه يعمل تحت النار لإنقاذ الجرحى. 

كان يدخل غرف العمليات في مستشفى الشفاء تحت القصف، ويخرج منها ليجري مداخلات تلفزيونية يفضح خلالها جرائم الاحتلال.

أحد أكثر مشاهد البرش انتشارًا كان لحظة نزوحه من مستشفى الشفاء قسرًا، حين ظهر باكيًا وهو يقول لمراسلة الجزيرة: "والله يا أختي خرجنا من المستشفى بغصة، ولكن الحمد لله، أدينا الرسالة وأجرنا على الله".

لكن رغم خروجه القسري، لم يتوقف عن العمل، فذهب إلى مستشفى الإندونيسي ليواصل علاج المصابين، حتى قصفه الاحتلال، ثم اضطر للنزوح إلى مستشفى العودة في تل الزعتر، وهناك داهمته قوات الاحتلال واعتقلته مع مجموعة من الأطباء. 

اختفى أثره لشهور، قبل أن يعلن نادي الأسير الفلسطيني خبر استشهاده، بينما ظل الاحتلال يحتجز جثمانه حتى اليوم.

سيرة البرش لم تكن عادية، فقد حمل في حياته الكثير من الصبر والاجتهاد والتميز، ولد في 17 سبتمبر/أيلول 1974، وتخرج في كلية الطب بجامعة ياش في رومانيا، ثم تخصص في جراحة العظام والمفاصل، وحصل على البورد الأردني والبورد الفلسطيني، ثم الزمالة البريطانية في جراحة الكسور المعقدة. تولى رئاسة قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي، وأصبح أحد أعمدته الطبية المرموقة، إذ كان المرضى يأتون إليه من مختلف مناطق قطاع غزة تفضيلًا لخبرته ودقته.

لم تكن علاقة البرش بمرضاه علاقة طبيب بمرضى فقط، بل علاقة إنسان بإنسان، فقد كان يرافقهم في العلاج، يُجري العمليات المعقدة بمهارة عالية، ويشاركهم الرياضة حين يصف لهم السباحة كعلاج. كما عرف عنه حبه للموسيقى، إذ كان يعزف على البيانو، ويستمع إلى أغاني فيروز وأم كلثوم. وفي جانب آخر، كان مثقفًا سياسيًا، حاصلًا على ماجستير في العلوم السياسية من جامعة الأزهر، وقد اشتهر بقدرته على توضيح الأحداث للصحافة والإعلام بدقة الطبيب وتحليل السياسي.

وفي الحرب، لم يمنعه الخطر المتزايد ولا استشهاد عشرات من أفراد عائلته من الاستمرار في العمل. صورته خلال مسيرات العودة عام 2019 انتشرت بين الناس حين ظهر بمعطفه الأبيض الملطخ بالدماء بعد إنجاز 28 عملية جراحية متتالية. كان مثالًا للطبيب المقاوم الذي اختار أن يواجه الموت بعلمه وضميره.

القضية اليوم لم تعد فقط قضية جثمان محتجز، بل قضية كاملة تؤرخ لشهيد مثّل منظومة صحية كاملة تتعرض للاستهداف، فاغتياله – سواء عبر الإهمال الطبي أو التعذيب أو الاثنين معًا – يأتي ضمن سياسة ممنهجة استهدفت الأطباء في غزة والمرافق الطبية، خاصة عملية اقتحام مستشفى الشفاء وتدميره.

حملة عائلة عدنان البرش، التي تتوسع كل يوم، ليست فقط مطالبة بحق دفن الشهيد، بل محاولة لتوثيق جريمة الاحتلال بحق طبيب آمن برسالته حتى اللحظة الأخيرة. وهي أيضًا حملة لتذكير العالم بآخر ما كتبه الشهيد على منصة "إكس" قبل اعتقاله:"نموت واقفين ولن نركع… ما يبقى في الوادي إلا حجارته، وإحنا حجارته".

اخبار ذات صلة