تتواصل المأساة المفتوحة في قطاع غزة، حيث يدفع الأطفال الثمن الأكبر لحربٍ قامت على الجوع والمرض والخوف. فبعدما انهارت المنظومات الصحية والتعليمية والخدمية، تحوّلت حياة الصغار إلى صراع يومي من أجل البقاء. وفي ظل المجاعة التي تضرب القطاع، وتفشي الأمراض، وهدم المدارس، يحاول أطفال غزة التمسّك بالحياة رغم غياب كل مقوماتها.
وبين الركام، وصفوف الجوع والخوف والبرد، تتشكّل ملامح جيل فلسطيني صغير يواجه الإبادة يومًا بعد يوم.
تدهور صحي كارثي
مع تدهور البنية الصحية ونفاد الأدوية واللقاحات، تشهد غزة انتشارًا خطيرًا للأمراض، خصوصًا بين الأطفال الذين يعانون سوء التغذية الحاد، ونزلات البرد، والأوبئة الجلدية، والتهابات الأمعاء الناتجة عن المياه الملوثة.
وأكد استشاري طب الأسرة الدكتور بسّام أبو ناصر أنّ الوضع الصحي في غزة «بالغ الخطورة»، بعد الانهيار الشامل لمنظومة الوقاية والتعقيم خلال الحرب، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالتهابات الكبد الوبائي وأمراض أخرى تهدد حياة الآلاف.
ويشير إلى أنّ الحرب دمّرت جميع نظم الوقاية، وخلقت بيئة خصبة لانتشار الفيروسات، خصوصًا مع البطالة المرتفعة، وتدهور النظافة العامة، وسوء التخزين، واستخدام الأدوات الشخصية بشكل مشترك بين النازحين في المخيمات المكتظة.
وفي الوقت ذاته، تقف المستشفيات شبه معطّلة؛ إمّا مدمّرة، وإمّا بلا وقود ولا أجهزة. كثير من الأطفال احتاجوا إلى عمليات عاجلة ولم يجدوا سريرًا أو طبيبًا أو حتى ضمادة.
ولا تقف الكارثة عند هذا الحدّ؛ إذ تكشف الإحصاءات الرسمية أنّ 70% من مرضى الحروق الذين خضعوا لعمليات جراحية هم من الأطفال، ومعظمهم دون سن الخامسة، ما يعكس خطورة الإصابات في ظل نقص الإمدادات الطبية.
كما أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف بأن 11 ألف طفل أصيبوا بإعاقات أو جروح خطيرة ستلازمهم مدى الحياة نتيجة العدوان الإسرائيلي. وتشير المنظمة إلى أن الأطفال المصابين يواجهون أوضاعًا إنسانية قاسية في ظل تدمير المنشآت الطبية المتخصصة، موضحة أن ثلثي خدمات إعادة التأهيل في غزة خرجت عن الخدمة، مما يجعل فرص العلاج الطبيعي والدعم النفسي شبه معدومة.
وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الصحة أن 25% من إجمالي حالات البتر تعود لأطفال يواجهون إعاقات دائمة في سن مبكرة، مشيرة إلى أن «نقص الإمكانات الطبية والأدوات المساندة يزيد معاناة الجرحى مبتوري الأطراف».
ويحتاج أكثر من 5,200 طفل إلى إجلاء طبي عاجل لإنقاذ حياتهم، في ظل منع الاحتلال المتعمّد لحق العلاج والتنقل.
ضحايا بالمئات
منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش أطفال القطاع أوضاعًا كارثية، حيث تؤكد التقارير الحكومية الفلسطينية أن الأطفال والنساء يشكلون ما يزيد على 60% من إجمالي ضحايا الإبادة.
وارتفع عدد الشهداء الأطفال إلى أكثر من 20,000 طفل، في جريمة تُعدّ الأكبر عالميًا ضد الطفولة في القرن الحاضر، من بينهم 1,015 طفلًا لم تتجاوز أعمارهم عامهم الأول، ما يعكس حجم الإبادة التي طالت أصغر الفئات العمرية.
كما أصبح آلاف الأطفال من أصحاب البتر نتيجة القصف المباشر، في أكبر موجة إعاقات جماعية تشهدها فلسطين المعاصرة.
ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار، لا تزال تبعات العدوان تهدد الأطفال حتى اللحظة؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن 650,000 طفل مهددون بالموت جوعًا بسبب نقص الغذاء واستمرار سياسة التجويع البطيء، بينما يواجه 40,000 رضيع خطر الموت نتيجة نقص حليب الأطفال، في مؤشر خطير على تعمّد الاحتلال استهداف الرضّع ضمن سياسة الإبادة.
ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة إنسانية، بل انهيار كامل لحقوق أكثر من 800 ألف طفل يعيشون بلا غذاء كافٍ، ولا رعاية صحية، ولا تعليم، ولا أمان.
إنها طفولة تُنتزع من جذورها، وتحاول – رغم كل شيء – أن تبقى على قيد الحياة.