قائمة الموقع

“تحت راية الطوفان”: الكتاب الذي ألفه صاحبه وهو يعبر نحو الشهادة

2025-12-09T22:03:00+02:00
الرسالة نت - خاص

في منتصف عتمة الحرب، حين يكون الصوت الأعلى للانفجار لا للكلمة، خرج هذا الكتاب،  يحمل توقيع شابٍ من غزة لم يعرف الرفاه يوماً، لكنه عرف الله والقرآن والميدان. 

كتاب “تحت راية الطوفان – خندق خباب” للشهيد محمد زكي حمد لم يكتب ليوُضع على رفوف مكتبات قليلة نجت من القصف؛ بل هو بقايا حياة، وورقٌ يحتفظ بحرارة يدٍ كانت ترتجف من التعب لا من الخوف.

محمد، المولود عام 1994، لم يُمنح ترف أن يكون كاتباً متفرغاً أو باحثاً هادئاً. كان حافظاً للقرآن، معلماً لعلومه، ومجاهداً حمل بندقيته كما يحمل مصحفه. 

عرفه الناس بختم القرآن في جلسة واحدة، وبقدرته على إخراج عشرات الحفّاظ الذين حملوا صوته في صدورهم. لكنهم لم يعرفوا أن هذا الشاب الذي كان يقوم الليل دون انقطاع، كان مقاتلا؛ يكتب أيضاً، وبخطّ صغير مضغوط كأن الوقت يطارده.

كتب محمد كتابه تحت الأرض وفوقها، في الأنفاق التي تتحسس فيها الظلمة وجوه الرجال، وفي نقاط الرباط التي تتساقط عليها القذائف مثل وابل غضبٍ لا ينقطع. 

لم تكن الكتابة هنا هواية، ولا رغبة في التأريخ الشخصي، بل محاولة للاحتفاظ بما يتبخر عادةً في الهواء: مشاهد القلوب التي تتقدم نحو الموت كأنها تتقدم نحو صلاة الفجر.

تبدو صفحات الكتاب وكأنها جزء من تسجيل صوتي طويل، التُقط في زمن لا يُلتقط فيه إلا صدى الرصاص. 

يسرد محمد فيها الأيام الأولى بعد السابع من أكتوبر، حين انقلبت موازين الكون، وحين اندفع رفاقه نحو الحدود يحملون يقيناً أكثر مما يحملون ذخيرة. 

يكتب عن رجالٍ لا وجه لهم في الإعلام، ولا أسماء في البيانات، لكنهم في كتابه يحضرون وحدهم،  يقرأون القرآن في الأنفاق، يصومون بلا ماء، يصلّون في فراغ الأماكن المهدّمة، ويواصلون القتال رغم وطأة الجوع التي جعلت بعضهم ينهار جسدياً بينما تظل أرواحهم مشرعة للسماء.

اللافت أنّ الكتاب لا يكتفي بوصف القتال؛ بل يحاول أن يمنح القارئ مفاتيح الروح التي صنعت هؤلاء الرجال. يربط محمد تجربته بآياتٍ كان يراها امتداداً لخطواته. عند قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» يرى عدالة تُطارد الظالم مهما توارى خلف جدار.

 وفي سورة الضحى يجد دفئاً يخفف عنه ضيق الأنفاق، فيما يقتبس من قصة يونس درساً للداعية المحاصر بين العجز والرجاء. التأمل هنا رفيق أساسي لمقاتل يعرف أن الدقيقة التالية قد تكون آخر ما يعيش.

بعد استشهاده خلال معركة طوفان الأقصى، تكشّف العالم على كتابه؛ فقد أرسله إلى شقيقه عبد الرحمن قبل أربعة أيام فقط من رحيله. 

صدر في أكتوبر 2025 كأثر أخير لرجلٍ لم يمهله القدر وقتاً ليراجع، أو ينقح، أو حتى يختار عنواناً مطولاً. ومع ذلك، بدا الكتاب مكتمل الروح، كأن صاحبه كان يكتب بحدس من يعرف أن لحظته تقترب، وأن الكلمات يجب أن تصل حيّة، لا مخنوقة تحت الركام.

يشكّل العمل – الذي جمع بين التوثيق والتحليل والتجربة – نافذة نادرة على الحياة اليومية للمقاومين: كيف يفكرون، كيف يتعبدون، وكيف ينهضون كلما انهار جزء منهم. وهو أيضاً خطاب موجّه للأمة، يذكّرها بأن النهوض لا يتحقق بالاستسلام للواقع بل بصناعته.

في النهاية، يبدو هذا الكتاب أشبه بوصية مفتوحة. ليس تمجيداً للموت، بل محاولة لفهم معنى الحياة حين تُعاش تحت سقف متفجر، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على صوته في زمنٍ يريد لكل الأصوات أن تصمت.

اخبار ذات صلة