لم يكن خضر حنونة وخليل حنونة يتوقعان أن تكون تلك الليلة الأخيرة في حياتهما. شابان من غزة، نحيلان كحال المدينة التي أنهكها الحصار والحرب، ناما في خيمتهما الملاصقة لجدار إسمنتي عريض قرب ملعب فلسطين غربي المدينة.
الرياح كانت تعصف بلا هوادة، والمطر يهطل منذ أيام متواصلة، يجلد الخيام ويغمر الأرض بالطين، فيما كانت العائلة تحاول عبثًا تثبيت الأغطية البلاستيكية المهترئة، اتقاءً لبردٍ لا يرحم.
في ساعات الفجر الأولى، وبينما كانت المدينة تغرق في نومٍ قلق، دوّى صوتٌ مفزع. لم يكن انفجارًا، ولم يكن قصفًا، بل انهيار الجدار. أعمدة إسمنتية ثقيلة هوَت دفعة واحدة، وسقطت فوق أجساد الشابين، دافنةً إياهما تحت الركام، بلا فرصة للنجاة.
استيقظت العائلة على الأصوات، وخرج الجيران من خيامهم المرتجفة، يحاولون إزالة الحجارة بأيديهم العارية، وسط المطر والظلام. دقائق طويلة بدت كدهر. وعندما وصلت طواقم الدفاع المدني، كانت الحقيقة أقسى من أن تُحتمل: خضر وخليل أصبحا في عداد الشهداء.
لم تكن وفاة الشابين نتيجة قذيفة أو صاروخ، بل نتيجة واقعٍ قاسٍ فرض على آلاف العائلات في غزة السكن قرب جدران متهالكة وتحت أخطار دائمة، بعد أن دُمّرت منازلهم ولم يُتح لهم إعادة الإعمار.
هنا، لا يختار الناس أماكن نومهم، بل يُدفَعون إليها دفعًا.
حادثة خضر وخليل ليست سوى فصلٍ من مأساة أكبر. فمنذ بداية المنخفض الجوي الأخير، تعيش غزة حالة طوارئ إنسانية حقيقية. الأمطار الغزيرة أغرقت عشرات الخيام، والرياح الشديدة اقتلعت أغطية بلاستيكية لا تصلح أصلًا للسكن، فيما انخفضت درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة، خصوصًا على الأطفال وكبار السن.
وبحسب مصادر محلية وطبية، قضى عشرة مواطنين على الأقل خلال أيام قليلة بسبب البرد القارس، معظمهم أطفال ماتوا تجمّدًا داخل خيام النازحين.
أجساد صغيرة لم تحتمل ليالي الشتاء الطويلة، ولا غياب وسائل التدفئة، ولا انعدام أدنى مقومات الحياة الآمنة.
في المخيمات، بات المطر مرادفًا للخوف. كل قطرة تعني احتمال غرق، وكل هبة ريح تهدد بسقوط جدار أو عمود كهرباء أو خيمة بأكملها.
وسط هذا المشهد، تستمر التحذيرات من الدفاع المدني من السكن قرب المباني الآيلة للسقوط، لكن التحذير وحده لا يصنع مأوى.
فالحصار، ومنع إدخال مواد الإعمار، وغياب الحلول العاجلة، جعلت من الخيام قدرًا قاسيًا، ومن الشتاء خصمًا قاتلًا.
فمن سنتين يأتي إلى غزة المطر؛ لا ليلعب تحت زخاته الاطفال، بل ليكمل ما بدأته الإبادة.