تقف أمّ محمد زين الدين فوق ما تبقّى من بيتها، أو فوق المكان الذي كان بيتًا ذات يوم. لا جدران، لا سقف، فقط ذاكرة معلّقة في الهواء. في يدها اليمنى جواز سفر مصري، وفي اليسرى هوية فلسطينية، تمسكهما كما لو أنهما شاهدان على حياةٍ واحدة انقسمت جغرافيًا ولم تنقسم معنًى. تقول بثباتٍ لا يشبه عمر الخيام ولا هشاشة الواقع: «أنا مصرية الأصل، لكني أعرف ماذا تعني الأرض».
جاءت أمّ محمد إلى غزة شابةً مع زوجها، أبي محمد. لم تكن تعرف آنذاك أنها لن تكون ضيفة، بل ستصبح ابنة المكان. عاشت مع أهل غزة، شاركتهم الخبز والخوف والحصار، ومع السنوات صاروا أهلها وصارت منهم.
"غزة لم تكن محطة، كانت بيتًا"، تقولها ببساطة من لا يحتاج إلى تبرير انتمائه.
قبل أن يتوفى زوجها، قطعت له عهدًا: أن تبقى حامية لهذا البيت. لم يكن البيت حجارة فقط، بل تاريخًا صغيرًا، ضحكات، أولادًا كبروا في ظله، وذاكرة رجلٍ أحبّ أرضه حتى النهاية. جاء العدوان، وجاءت الإبادة، ولم يبقَ من البيت شيء. لكن العهد لم يسقط مع السقف.
اليوم تجلس أمّ محمد أمام خيمتها، عند “باب الخيمة” كما تسميه، تمسك مصحفها بيدٍ لا ترتجف رغم الدموع. تشير ببطء إلى ما أنقذته من تحت الركام: مطبخ صغير أعادت تركيبه داخل الخيمة، سرير صنعته من خشبة مرفوعة على حجرين، وضعت فوقه مرتبة لتنام، أغطية، سجادة. “كل هذا رفعته بيدي من تحت الأنقاض”، تقول، وكأنها لا تتحدث عن أشياء، بل عن بقايا حياة أبت أن تُدفن.
لم تغادر غزة، ولن تغادر. القرار محسوم، لا يحتاج إلى نقاش. تبكي، ثم تمسح دموعها سريعًا، وتقول بصوتٍ قادم من عمق التجربة: “أنا من الصعيد… وأعرف معنى الأرض. الأرض أغلى من العرض”. تتوقف لحظة، ثم تضيف: “لا يمكن أن أفرّط بشبر من أرض غزة، ولا ببيت زوجي، ولا بأرض أبنائي.”
أمّ محمد ليست مقاتلة، ولا سياسية، ولا تحمل سلاحًا. سلاحها الذاكرة، والعهد، والإصرار على البقاء. في زمن الخيام، تحوّلت إلى شاهدة حيّة على أن البيوت قد تُدمَّر، لكن المعنى لا يُقصف. وأن بعض النساء لا يحمين الجدران، بل يحمين فكرة الوطن نفسها.
في خيمتها الصغيرة، تجلس أمّ محمد كأنها تحرس غزة كلّها. لا تطلب شيئًا، ولا ترفع شعارًا، فقط تقول: “هنا عشت، وهنا سأبقى”. وفي غزة، أحيانًا، يكفي هذا ليكون فعل مقاومة كاملًا.