قبل شهر واحد فقط، كان الطبيب الفلسطيني (و.س) يحزم حقيبته في قطاع غزة استعدادًا لمغادرة قطاع غزة، بعدما حصل على فرص عمل في إحدى المستشفيات الإيطالية خلال الحرب على غزة.
وقت وصول دعوة العمل للطبيب (و.س) علم أنها مستحيلة لاغلاق معبر رفح، لكن مع انسداد كل السبل الرسمية، وجد الطبيب نفسه مضطرًا للبحث عن أي مخرج ممكن، فحاول الحصول على تحويلة طبية للخروج، لكنه فشل، إلى أن سمع عن شركة تُدعى «المجد»، تحيط بها شبهات واسعة بأنها تعمل بتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي.
سجّل الطبيب بياناته عبر هذه الشركة، وبعد شهر واحد فقط، تلقّى رسالة مقتضبة على هاتفه المحمول تطلب منه الاستعداد صباحًا للسفر. لم يسأله أحد عن التفاصيل، ولم تُقدَّم له تفسيرات واضحة، لكنه خرج من غزة ووصل إلى إيطاليا، ليبدأ حياة جديدة بعيدًا عن القطاع المحاصر.
الطبيب (و.س) ليس حالة فردية، بل نموذج لعشرات وربما مئات من الكفاءات الفلسطينية التي غادرت غزة خلال الأشهر الماضية، متجهة إلى دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا، بل ووصل بعضهم إلى كندا، في ما بات يُعرف إعلاميًا وحقوقيًا بمصطلح "الهجرة الناعمة".
هذه الظاهرة دفعت المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى دق ناقوس الخطر، كاشفًا عمّا وصفه بـ«تحركات نشطة» لتسهيل مغادرة أفراد يمتلكون مهارات علمية ومهنية عالية من قطاع غزة، بينهم أطباء وصحفيون وأكاديميون وباحثون، عبر آليات رسمية وغير رسمية، وبإجراءات تفتقر في كثير من الأحيان إلى الشفافية والوضوح.
تخصصات دقيقة لتسهيل السفر
ويقول رئيس المرصد الأورومتوسطي، الدكتور رامي عبدو، في تصريحات صحفية، إن هذه التحركات تتخذ أشكالًا متعددة، منها منح تأشيرات خاصة، أو تقديم تسهيلات عبور، أو ترتيب ممرات خروج، تحت عناوين براقة مثل المنح الدراسية، أو فرص العمل، أو لمّ الشمل العائلي، أو حتى الإجلاء الإنساني. غير أن القاسم المشترك بينها، وفق عبدو، هو تركيزها الواضح على فئات محددة من المجتمع الفلسطيني، لا سيما أصحاب الكفاءات والخبرات.
ويضيف عبدو أن المرصد تابع تواصل جهات لم يسمّها مع أطباء يعملون في تخصصات دقيقة يحتاجها قطاع غزة بشكل ملح، عارضة عليهم تسهيلات للسفر ووعودًا بعقود عمل مغرية في الخارج. ويشير إلى أن هذا النمط لا يقتصر على القطاع الصحي فحسب، بل يشمل أيضًا الصحفيين، حيث يلاحظ أن غالبية الصحفيين الفلسطينيين البارزين العاملين في وسائل الإعلام الدولية تمكنوا من مغادرة غزة، ليحل محلهم صحفيون جدد أقل خبرة، في مشهد يعكس نزيفًا مستمرًا في العقول والخبرات.
وتتضح خطورة هذه التحركات أكثر عند النظر إلى السياق العام، فخلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، تعرّضت المنظومة الصحية لاستهداف ممنهج شمل تدمير المستشفيات وقتل الطواقم الطبية واعتقال المئات منهم. وفي هذا الإطار، يؤكد عبدو أن تسهيل سفر ما تبقى من الأطباء والخبراء، خاصة المختصين بعلاج إصابات الحروب مثل جراحة الأوعية الدموية، يُفاقم الكارثة الإنسانية، ويترك القطاع دون قدرة حقيقية على التعافي أو الاستجابة للطوارئ.
ويضع رئيس المرصد هذه التحركات في إطار «مخطط واحد وممنهج» مع سياسة الاغتيالات التي طالت الكفاءات خلال الحرب، موضحًا أن الاحتلال انتهج قتل العقول من جهة، وتسهيل خروج من نجا منهم من جهة أخرى. ويوثق المرصد اغتيال نحو 200 من أساتذة الجامعات، وعشرات الخبراء في مجالات مختلفة، إلى جانب استهداف واسع للطواقم الطبية والإعلامية والتعليمية.
ووفق إحصاءات هيئات فلسطينية محلية، قتلت قوات الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 1670 من الطواقم الطبية، و257 صحفيًا وصحفية، و830 معلمًا وموظفًا في سلك التعليم، إضافة إلى 13 ألفًا و500 طالب وطالبة. ورغم عدم توفر إحصاء دقيق لعدد الكفاءات التي غادرت غزة، يقدّر عبدو أن المئات خرجوا بالفعل، محذرًا من أن جزءًا كبيرًا من هذه المغادرة جرى بطرق غامضة، ما يثير تساؤلات جدية حول الدوافع والجهات المنظمة.
ويرفض عبدو توصيف هذه الظاهرة بالمغادرة الطوعية، مؤكدًا أن تدمير سبل العيش وكل مفاصل الحياة في غزة يجعل أي مغادرة قهرية بالضرورة، وترقى إلى مستوى التهجير القسري المحظور دوليًا. ويفرق بين الإجلاء المؤقت لأسباب إنسانية أو طبية، وبين السياسات التي تؤدي إلى خروج ممنهج للكفاءات، معتبرًا الأخيرة انتهاكًا صريحًا لاتفاقيات جنيف.
ويختتم عبدو بالتشديد على أن مواجهة هذا المخطط تتطلب مسؤولية جماعية فلسطينية وإقليمية ودولية، تقوم على حماية السكان، ودعم حقهم في البقاء، إلى جانب كفالة حرية الحركة دون تحويلها إلى أداة لتفريغ غزة من طاقاتها البشرية، في وقت يعيش فيه القطاع واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث.