قائمة الموقع

من قاعات الجامعات إلى وهج الفرن: حكاية أكاديمي لم يغادر غزة!

2025-12-16T10:07:00+02:00
من قاعات الجامعات إلى وهج الفرن: حكاية أكاديمي لم يغادر غزة!
الرسالة نت- خاص

يجلس الدكتور بدر أبو اصليح أمام فرنٍ مشتعل في مخيم البريج وسط قطاع غزة، لا تحيط به سبورة ولا كتب جامعية، بل أكياس طحين وحرارة نارٍ لا تهدأ. 

يمدّ يده إلى العجين منذ الفجر، يعجنه ويشكّله، ثم يُدخله الفرن ليخرج خبزًا ساخنًا يبيعه على أهالي الحي، ويعود به إلى أطفاله كي لا يناموا جياعًا.

أمامه، على رفٍ صغير، شهاداته الأكاديمية مصطفّة كما كانت يومًا تزيّن مكتبه الجامعي: شهادة البكالوريوس، ثم الماجستير، ودبلوم المحاسبة، وشهادة من جامعة هارفرد، وأخرى من معهد البحوث في جمهورية مصر العربية. شهاداتٌ تحكي سيرة أكاديمي لم يكن يتخيّل أن تُضاف إليها يومًا “شهادة” من نوع آخر… شهادة الصمود أمام فرنٍ في زمن الحرب.

قبل أن تتبدّل المهنة، لم تتبدّل القناعة. اثنا عشر عامًا قضاها الدكتور بدر خارج غزة طلبًا للعلم، متنقّلًا بين جامعات ومعاهد. عُرضت عليه فرص كثيرة ليستكمل مسيرته الأكاديمية في الخليج العربي وأوروبا، لكنه كان يرفض. كان يقول إن العلم الذي لا يعود إلى وطنه ناقص، وإن غزة أولى به مهما ضاقت السبل.

ثم جاءت الحرب، شرسةً كعادتها، فبدّلت كل شيء. الجامعات أغلقت، الوظائف توقفت، والحياة أجبرت الجميع على أن يبحث عن شكلٍ آخر للبقاء. لم يعد الدكتور بدر أستاذًا في قاعة محاضرات، بل خبازًا في مخيم محاصر. ومع ذلك، لا يسمع في صوته ندمًا. يقول بثبات: “لا أندم أنني بقيت في غزة، سأبقى هنا حتى نهايات العمر”.

يرى نفسه واحدًا من أبناء هذا الشعب، تضرّر كما تضرّر الجميع. هناك من ترك جامعته، وهناك من ترك مكتبه، وهناك من بدّل مهنته قسرًا ليحمي أطفاله من الجوع. قصته مرآة لآلاف القصص التي وُلدت تحت القصف.

يتمنى الدكتور بدر نهايةً كاملةً لهذه الحرب، نهاية تعيد لكلٍ مكانه، وللأكاديميين جامعاتهم، وللعمّال أعمالهم، ولغزة نبضها الطبيعي. لكنه، حتى ذلك الحين، سيبقى أمام الفرن، يعجن الخبز كما يعجن الأمل، مؤمنًا بأن هذه البلاد ستعود مرة أخرى، وستُبنى بسواعد أبنائها.

“إنها غزة”، يقولها بهدوء، وكأنها خلاصة الحكاية كلّها.

 

اخبار ذات صلة