نور شمس...هكذا سيمسح الاحتلال ذكريات 25 منزلا في لحظة واحدة

الرسالة نت - متابعة

الساعة تحمل رائحة غبارٍ ممدد على الجدران، كأن الزمن نفسه تفتّت قبل أن تسقط الحجارة.

 في شارعٍ ضيّق من شوارع مخيم نور شمس شمال الضفة المحتلة، يقف طابور من الجيران يحملون أكياسًا صغيرة؛ أمتعة لا تكاد تسعّها اليد، وعيونهم معلّقة بواجهة البناية التي قيل لهم إنها ستهدم خلال ساعات. 

على بابها، ورقة بيضاء مختومة بإخطار عسكري، سطران فقط، بلا شرح ولا رحمة: مهلة إخلاء ساعتين.

بلال اللحمة يقف أمام مدخل بنايته، يحدّق في شقته كمن يحاول تثبيتها بنظره، كأن العين يمكن أن تكون عمودًا يمنع السقوط. 

يقول بصوتٍ منخفض، بصيغة رجلٍ ربط حياته بجدار: «حتى خرائط الذاكرة هنا مكتوبة على الحيطان. هذا السِلم الذي صعدته طفلًا ونزلته شابًا، كل ضوضائه ومساره، كل ركن فيه، هو بيت عمرنا. والدي توفي هنا، نشأنا هنا، وكل المخيم يعز علينا».

قبل أيام، أبلغهم جيش الاحتلال أن البناية، التي تضم 25 شقة سكنية، ستُهدم ضمن مخطط لتوسيع طريق عسكري يمتد باتجاه المخيم، بزعم “حاجة عملياتية” تسهّل الاقتحامات المتكررة.

 لم يكن القرار معزولًا؛ بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي تطال المخيم بيتًا بيتًا، وتعيد رسمه بالجرافات بدل الخرائط.

الساعة لا تبقى لصالح أحد. إخطار الساعتين يمرّ كنداءٍ استثنائي يعصّب القلوب: كيف يمكن لعشرات العائلات أن تلملم أعمارها في هذا الضيق والبرد؟ رجال يعانقون صورًا قديمة، نساء يحاولن حشو ملايات ودفاتر مدرسية في أكياس بلاستيكية، وأطفال يطرحون سؤالًا واحدًا بلا جواب: إلى أين؟


بلال، الذي هُجّر مع عائلته أكثر من خمس مرات منذ بداية العام، يقف عاجزًا أمام سؤالٍ لا يجد له جوابًا: ماذا نأخذ؟ ماذا نترك؟ كيف نختصر عمرًا كاملًا في ساعتين؟ يقول: «بدأت أنظر إلى حياتي كلها كأنها ستنهار معنا».

ومنذ بداية عام 2025، تعرّض مخيم نور شمس لسلسلة اقتحامات متواصلة، شملت مداهمات شبه يومية، وحصار أحياء كاملة، وتجريف طرق داخلية. 

تقديرات محلية تشير إلى عشرات الاقتحامات خلال العام، أسفرت عن تهجير آلاف السكان قسرًا، وتضرر أو تدمير مئات الوحدات السكنية بشكل كلي أو جزئي. كما سُجّلت مئات حالات الاعتقال، وإصابات في صفوف المدنيين، في وقتٍ تتسع فيه رقعة الهدم الممنهج تحت مسمى “الضرورات الأمنية”
بحسب مصادر فلسطينية، أدت هذه الحملة إلى تهجير ما يقرب من 9,000 فلسطيني من مخيم نور شمس منذ بداية العدوان، وفقدان آلاف السكان منازلهم وأرزاقهم، بينما تم تدمير ما يقارب 1,000 وحدة سكنية أو تعرضها لأضرار جزئية نتيجة الهجمات المستمرة. 
.
في نور شمس، لا تُقاس الخسارة بعدد البيوت فقط، بل بعدد الأعمار التي تُعاد تعبئتها قسرًا في أكياس.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير