لم يكن الصحفي الغزي أحمد عبد العال يتخيل أن تجربة الأسر التي طالما سمع عنها ستتحول إلى واقع يعيشه بتفاصيله القاسية، ولا أن خروجه من السجن في الصفقة الأخيرة سيتزامن مع رقم صادم لعدد الصحفيين الذين اغتالتهم إسرائيل في قطاع غزة. عبد العال، الصحفي الذي اعتُقل خلال حرب الإبادة وأمضى أكثر من عام ونصف في سجون الاحتلال، خرج ليجد زملاءه وقد تحوّلوا إلى أسماء في قوائم الشهداء، وكاميراتهم إلى شاهد صامت على واحدة من أكثر الحروب دموية بحق الصحافة في التاريخ الحديث.
يقول عبد العال في حديثه لـ"الرسالة نت" إنه لم يتخيل يومًا أن يكون الأسر بهذا القدر من القسوة، ولا أن يخرج ليكتشف أن عدد الشهداء من الصحفيين بلغ هذا الرقم غير المسبوق.
ويؤكد أن تجربته داخل السجن غيّرت نظرته للعمل الصحفي ، إذ لم يعد ينقل معاناة الأسرى من الخارج فقط، بل بات يحملها في ذاكرته وجسده، مدركًا كيف يضع الاحتلال الصحافة عمدًا في مرمى النار، سواء داخل الزنازين أو في ساحات التغطية الميدانية.
ويضيف عبد العال أن الاحتلال يدرك خطورة الكلمة والصورة، لذلك يتعمد استهداف الصحفيين، لأنهم الشهود الذين يفضحون جرائمه أمام العالم. ويؤكد عزمه، بعد تحرره، على توثيق كل الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الأسرى والصحفيين، انطلاقًا من قناعته بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية في مواجهة آلة القتل والتضليل.
60 صحفيًا في عام واحد
تتقاطع شهادة عبد العال مع أرقام صادمة كشف عنها مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين، الذي وثّق مقتل أكثر من 60 صحفيًا وعاملًا في مجال الإعلام في قطاع غزة منذ مطلع العام الجاري 2025 وحده. ويأتي هذا الرقم في سياق استهداف متواصل لم يتوقف منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وحتى خلال سريان وقف إطلاق النار الحالي منذ نحو شهرين وأسبوع.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتفع عدد الصحفيين الشهداء منذ بدء الحرب إلى 257 شهيدًا، في حصيلة تُعد الأخطر والأعلى في تاريخ العمل الصحفي عالميًا. وكان آخر هؤلاء الصحفيين محمود وادي، الذي استشهد مطلع الشهر الجاري جراء قصف نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية أثناء عمله الصحفي وسط مدينة خان يونس، في منطقة بعيدة عن ما يُعرف بالخط الأصفر، ما يؤكد تعمد الاستهداف وعدم ارتباطه بأي ذريعة عسكرية.
لم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي على القتل المباشر، بل شمل منظومة متكاملة تهدف إلى السيطرة على الرواية المتعلقة بما يجري في غزة. فقد عمدت إسرائيل، طوال الحرب وحتى أثناء الهدنة، إلى اغتيال الصحفيين الفلسطينيين، واستهداف مقار وسائل الإعلام، وحظر عملها، إضافة إلى منع دخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع، في محاولة لفرض تعتيم إعلامي شامل.
ووُصف استشهاد الصحفيين في غزة بأنه الأسوأ تاريخيًا، إذ تجاوز عددهم مجموع من قُتلوا من الصحفيين في الحرب الأهلية الأميركية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وحرب كوريا، وفيتنام، ويوغسلافيا، وأفغانستان، وفق ما خلص إليه مشروع «تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون الأميركية. وهو ما يعكس حجم الخطر غير المسبوق الذي يواجهه الصحفي الفلسطيني، الذي بات يدفع حياته ثمنًا لنقل الحقيقة.
وأوضح مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين في بيان صحفي أن استهداف الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي يأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات الحقيقة وطمس الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وأشار إلى أن الصحفيين استُشهدوا أثناء أدائهم واجبهم المهني، أو داخل منازلهم، أو في خيام النزوح، وحتى أثناء تلقيهم العلاج داخل المستشفيات، ما ينفي أي ادعاءات بوقوعهم في «مرمى النيران» بالصدفة.
وبيّن المركز أن الإحصاءات الموثقة تظهر أن أغلبية الصحفيين المستهدفين كانوا يعملون في التغطية الميدانية المباشرة وتوثيق الانتهاكات الإنسانية، الأمر الذي يعكس تعمد الاحتلال استهداف من ينقلون الرواية الفلسطينية ويوثقون جرائم الحرب أمام الرأي العام العالمي.
واعتبر أن تكرار هذه الجرائم واتساع نطاقها، ووقوعها ضمن سياق هجوم واسع ومنهجي ضد السكان المدنيين، يوفر أساسًا قانونيًا مباشرًا لإدراج هذه الانتهاكات ضمن الملفات المفتوحة لدى مكتب الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية، ويستوجب توسيع التحقيقات لتشمل جرائم قتل الصحفيين بوصفها جزءًا من سياسة رسمية تهدف إلى منع توثيق الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
إلى جانب القتل، شملت الانتهاكات الإسرائيلية إصابة واعتقال العشرات من الصحفيين، وتدمير مقار ومعدات إعلامية، إضافة إلى قطع متعمد لشبكات الإنترنت والاتصالات، في محاولة واضحة لعزل قطاع غزة عن العالم ومنع توثيق الجرائم والانتهاكات على الأرض.