مع حلول ليلة أمس، حين كان النازحون يحاولون اقتناص لحظات نوم قصيرة داخل فصولٍ دراسية تحوّلت إلى ملاجئ اضطرارية، دوّى القصف الإسرائيلي ليحيل مدرسةً تؤوي عشرات العائلات في حي التفاح شرقي مدينة غزة إلى مسرحٍ جديدٍ للمجزرة.
دقائق قليلة كانت كفيلة بأن تُسقِط ستة شهداء فلسطينيين، غالبيتهم من الأطفال، وتخلّف عددًا من الجرحى، في مشهدٍ يلخّص معنى العيش تحت الاستهداف الدائم، حتى في أكثر الأماكن التي يُفترض أنها آمنة.
المدرسة المستهدفة لم تكن ثكنة عسكرية ولا موقعًا قتاليًا، بل مبنىً تعليميًا احتمت به عائلات نزحت قسرًا من بيوتها المدمّرة. أطفالٌ افترشوا الأرض، ونساءٌ لجأن إلى الجدران المتصدّعة طلبًا للأمان، قبل أن يخترق القصف كل تلك الأوهام.
الدفاع المدني في غزة أفاد بأنه وبعد تنسيقٍ شاق مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تمكّنت طواقمه من انتشال خمسة شهداء وعدد من الجرحى من داخل المدرسة، مؤكدًا أن غالبية الشهداء من الأطفال.
وأشار إلى أن الجرحى نُقلوا إلى المستشفيات المتاحة، في ظل عجزٍ حادّ في الإمكانات الطبية واستمرار خطر الاستهداف.
غير أن القصف لم يكن الجريمة الوحيدة، فبحسب إفادات ميدانية، تعرّضت طواقم الإسعاف والإنقاذ للمنع والتأخير أثناء محاولتها الوصول إلى المكان، ما فاقم معاناة المصابين ورفع احتمالات الوفاة. هذا السلوك، الذي يتكرر في أكثر من موقع، يحوّل كل دقيقة تأخير إلى عامل قتل إضافي.
انتهاكات بلا توقف
تأتي هذه المجزرة في سياق خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ووفق معطيات حقوقية، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء سريان الاتفاق إلى نحو 400 شهيد، إضافة إلى أكثر من ألف مصاب، في مؤشرٍ صارخ على هشاشة الاتفاق أمام الوقائع الميدانية.
اللافت أن الاستهداف لم يقتصر على المدنيين داخل مراكز الإيواء، بل طال منشآت تعليمية تقع قرب مرافق طبية، في مخالفةٍ مباشرة لقواعد الحماية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض تحصينًا خاصًا للمدنيين والمنشآت التعليمية والطبية أثناء النزاعات المسلحة.
إدانات وتحذيرات من الانهيار
مؤسسات حقوقية فلسطينية حذّرت من أن استمرار هذه الخروقات ينذر بانهيار كامل لوقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى أي مراحل لاحقة من تنفيذه.
وأكدت أن استهداف النازحين، وقصف المدارس، ومنع طواقم الإنقاذ، يشكّل انتهاكًا فاضحًا لاتفاقات وقف إطلاق النار، ويعكس استهتارًا واضحًا بأرواح المدنيين المحميين قانونًا.
وطالبت هذه الجهات الوسطاء الدوليين والأمم المتحدة باتخاذ إجراءات فورية وفاعلة لوقف الانتهاكات وضمان حماية المدنيين ومراكز الإيواء، كما طالبت مجلس حقوق الإنسان بفتح تحقيق دولي مستقل في جريمة قصف المدرسة.
وحثت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بضمّ هذه الجريمة إلى التحقيقات الجارية في الحالة الفلسطينية، تمهيدًا لمساءلة المسؤولين عنها.
في غزة، لم يعد الخطر استثناءً، بل قاعدة يومية، والمدارس التي كانت يومًا رمزًا للتعليم والأمل، تحوّلت إلى مقابر مؤقتة للأطفال.
كل قصفٍ جديد يعمّق الجرح الإنساني، ويطرح سؤالًا ملحًّا على العالم: إلى متى سيبقى المدنيون في غزة أهدافًا مفتوحة، بلا حماية وبلا مساءلة؟