قائمة الموقع

البصمة السوداء.. شهادة الأسير رامي أبو زبيدة عن وحشية المجندين الدروز خلف القضبان

2025-12-21T17:46:00+02:00
الرسالة نت - متابعة

لم يبدأ الجحيم، كما يروي الأسير المحرر رامي أبو زبيدة، مع أول ضربة، بل مع أول باب أُغلق خلفه. 

فمنذ اللحظة التي اعتقل فيها و تنقّل بين سجون الاحتلال، من “سيدي تيمان” إلى “عوفر” و“نفحة” و“النقب”، لم تعد الجدران مجرد إسمنت بارد، بل صارت ذاكرة حيّة، تحفظ الصرخات، وتعدّ الإهانات، وتشهد على تمزق ما تبقى من قناع إنساني حاول السجّان أن يتخفى به.

في تلك الأمكنة، حيث يفقد الوقت معناه، لم يكن القمع واحدًا في شكله،كما قال لكنه كان واحدًا في هدفه: كسر الإنسان. 

ويقول أبو زبيدة إن أكثر ما ترك أثره لم يكن الهراوات وحدها، بل أولئك السجّانون الذين يتحدثون لغة الأسرى أنفسهم، المجندون الدروز، الذين استغلوا هذا القرب ليجعلوا الإذلال أكثر قسوة وأشد إيلامًا.

في سجن “سيدي تيمان”، كان اسم واحد يكفي ليُسكت المكان: “أبو علي”. هكذا يصفه الأسير المحرر، لا كسجّان، بل ككابوس يومي يتكرر بلا رحمة. لسانه، كما يقول، كان سلاحًا لا يقل قسوة عن العصا، ينهال بالشتائم بلا سبب، ويتربص بالأسرى بحثًا عن ذريعة لبدء حفلات التنكيل. 

كان أبو علي يستدعي فرق القمع عبثًا، فقط ليملأ المكان بالصراخ، وكأن مشاهدة الألم غايته.
كثيرًا ما كان الأسرى يُسحبون إلى خارج القسم، بعيدًا عن الأعين، لكن ليس بعيدًا عن الآذان. الصرخات المكتومة، تحت وقع الضرب، كانت تصل واضحة، لتتحول إلى إنذار يومي: هنا لا مكان للصمود دون ثمن.

ولا يتوقف الألم عند الضرب، فبحسب رواية أبو زبيدة، جرى تحويل أبسط الحقوق الإنسانية إلى أداة إذلال. الذهاب إلى المرحاض لم يكن حقًا، بل اختبارًا للانكسار. في ليالي محددة، خلال نوبات حراسة المجندين الدروز، كان الأسير يُجبر على تنفيذ أوامر عبثية؛ أن يرسم سلّمًا ويتظاهر بتسلّقه، أو أن يمثل مشهد قيادة سيارة والاصطدام بها، وسط ضحكات ساخرة، فقط ليُسمح له بقضاء حاجته. 

كانت الكرامة تُقايَض بالحاجة، والجسد المنهك يُدفع لتمثيل مشاهد مهينة والهدف هو كسر ما تبقى من إنسانيته.

ويصل سرد ابو زبيدة  إلى لحظة يتجاوز فيها القمع كل ما هو متخيل، حين أُجبر بعض الأسرى على تقليد الحيوانات. أوامر جارحة، ممزوجة بالشتائم، هدفها واضح: نزع صفة الإنسان. 

ويشير الأسير المحرر إلى أن القسوة كانت تتضاعف حين تحضر مجندات يهوديات. عندها، يتحول السجّان الدرزي إلى ما يشبه الوحش الاستعراضي، يرفع منسوب الإذلال والاعتداء، وكأن أجساد الأسرى كانت مسرحًا لإثبات ولاءه.

اليوم، يروي رامي أبو زبيدة كشهادة للتاريخ. شهادة يضعها وفاءً لأسرى ما زالوا يواجهون الموت البطيء خلف القضبان، وتوثيقًا لبصمة سوداء لن تُمحى من ذاكرة الأسر الفلسطيني. فبينما يخرج الأسير حاملًا جراحه وكرامته، يبقى السجّان، كما يقول، سجين فعله، مهما طال الزمن.

اخبار ذات صلة