في مشهد أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار، بثّت قناة كان الإسرائيلية تقريرًا مصوّرًا من داخل آيكون مول في مدينة رام الله، تناول أجواء الاستعداد لعيد الميلاد، في سابقة وُصفت على منصات التواصل بأنها اختراق تطبيعي فجّ يجري في قلب الضفة الغربية، بينما تتواصل الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
المراسلة الإسرائيلية لم تُخفِ نبرة الاحتفاء، قائلة: «نحن القناة الإسرائيلية الأولى التي تدخل هذا المجمع التجاري»، في تصريح عكس شعورًا بالإنجاز، لا على المستوى الإعلامي فحسب، بل السياسي أيضًا، باعتبار الدخول بحد ذاته اعترافًا وقبولًا وفتحًا للأبواب أمام رواية الاحتلال من دون أي مساءلة.
الكاتب والباحث السياسي محمد دراغمة لخص المشهد بدقة حين كتب أن القناة العبرية حظيت بـ«ترحيب حار»، في إشارة إلى غياب أي موقف رافض، سواء من إدارة المكان أو من الجهات الرسمية أو المجتمعية.
هذا الصمت، وفق مراقبين، لا يقل خطورة عن الفعل ذاته، إذ يحوّل التطبيع من حدث طارئ إلى ممارسة اعتيادية.
الناشط الحقوقي رامي عبده وسّع دائرة النقد، معتبرًا أن المسألة لا تتعلق بـ«آيكون مول» وحده، بل بنمط مقلق من الانفتاح غير المشروط، مستحضرًا جولة مايكل هاكابي—أحد أبرز داعمي الاستيطان والإبادة—في شوارع الضفة الغربية وبيت لحم، وتصويره رسالة معايدة من هناك، «من دون أن يعترض عليه أحد أو يواجهه بكلمة رفض واحدة».
كلام عبده يعكس مخاوف حقيقية من تحوّل الضفة الغربية إلى ساحة «تطبيع ناعم»، تُمرَّر فيه رسائل الاحتلال عبر الإعلام والسياحة والفعاليات العامة، بينما يُقمع أي صوت مقاوم أو رافض تحت ذرائع الأمن أو «الواقع المعقّد».
يرى منتقدون أن التقرير لم يكن بريئًا أو إنسانيًا، بل جزءًا من استراتيجية إعلامية إسرائيلية تهدف إلى تبييض صورة الاحتلال، وإظهاره ككيان «طبيعي» يتشارك الأعياد والمناسبات، في الوقت الذي تُدمَّر فيه الكنائس والمساجد في غزة، ويُقتل المدنيون، ويُحاصر شعب بأكمله.
أسئلة لا بد منها
ما الذي يعنيه السماح لكاميرا إسرائيلية رسمية بالدخول بحرية إلى قلب مدينة فلسطينية؟ ومن يملك قرار فتح هذه المساحات؟ وأين تقف الخطوط الحمراء الوطنية في زمن الإبادة؟
ما جرى في رام الله ليس تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر خطير على مسار تطبيعي يتقدّم بصمت، مستفيدًا من حالة الانقسام والإنهاك.
وبينما يُفترض أن تكون الضفة الغربية ساحة إسناد لغزة، تتحوّل بعض مساحاتها إلى منصات لرسائل الاحتلال، في مفارقة أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاهلها، فالتطبيع، مهما ارتدى من أقنعة ثقافية أو إنسانية، يبقى طعنة في الوعي الجمعي، وخطرًا على جوهر القضية الفلسطينية.