لا يبدو المشهد في مدينة القدس مجرد أزمة سياسية عابرة أو خلل إداري محدود، بل صورة متكاملة لانفصال مؤسسات السلطة الفلسطينية عن واقع المدينة وسكانها. فبدل أن تكون هذه المؤسسات أدوات حماية وصمود في وجه الاحتلال ومشاريعه المتسارعة، تحولت – بحسب شهادات مقدسية وتحليلات سياسية – إلى هياكل شكلية تعمل بالحد الأدنى، وتحضر فقط عندما يتعلق الأمر بجمع التمويل أو تنظيم الفعاليات البروتوكولية.
مؤسسات كثيرة
أسماء وطنية كبيرة، وزارات وهيئات ومستشفيات وجامعات، لكنها في المحصلة لا تترك أثرًا ملموسًا في حياة المواطن المقدسي الذي يواجه يوميًا الضرائب، القمع، والتهويد وحيدًا. وتُعد هيئة شؤون القدس المثال الأوضح على هذا الانفصال؛ فعلى الرغم من كونها الجهة الرسمية المفترض أن تتابع قضايا المدينة، إلا أن دورها، وفق متابعين، لا يتجاوز الشعارات والخطابات. مكاتب مفتوحة، موظفون على دوام كامل، وموازنات تشغيلية مستمرة، دون مشاريع حقيقية تحمي الوجود الفلسطيني في القدس أو تخفف الأعباء عن سكانها.
لا دعم قانوني جدي، ولا برامج إغاثة مستدامة، ولا تحرك سياسي يتناسب مع حجم الهجمة الإسرائيلية، ما يجعل وجود الهيئة أقرب إلى حضور ورقي لا يشعر به المقدسي إلا عند قراءة البيانات.
ولا يختلف حال الغرفة التجارية في القدس كثيرًا عن ذلك. فرغم الاسم والدور الاقتصادي المفترض، يشتكي تجار ومواطنون من غياب أي تأثير حقيقي لها في دعم الاقتصاد المقدسي الذي يتآكل تحت وطأة الضرائب الإسرائيلية والإغلاقات والملاحقات. وتقتصر نشاطاتها، كما يقولون، على مناسبات اجتماعية وبروتوكولات، فيما تبقى ملفات دعم التجار، وحماية السوق المقدسي، أو مواجهة الإغراق الاستيطاني، خارج دائرة الفعل.
مؤسسات صحية
أما في القطاع الصحي، فتتفاقم الصورة قتامة. مستشفيات يُفترض أنها تشكل خط الدفاع الأول عن صحة المقدسيين تعاني من عجز مالي ضخم يُقدّر بنحو 300 مليون دولار، وسط غياب الشفافية حول إدارة الأموال. وفي حالة مستشفى المقاصد، تبرز معطيات تثير تساؤلات خطيرة حول طبيعته.
ولا يخرج الهلال الأحمر في القدس عن دائرة الانتقاد؛ فبحسب شهادات محلية، ينحصر دوره في العمل الإداري والاجتماعات الداخلية، دون أن ينعكس ذلك على خدمات إسعافية أو طبية توازي حجم الاحتياج المتزايد في المدينة. حضور على الورق، وغياب في الميدان، في وقت تتصاعد فيه الاعتداءات ويزداد عدد الجرحى والمحتاجين للرعاية.
التعليم والكهرباء
في قطاع التعليم، تبرز جامعة القدس في أبو ديس كحالة إشكالية أخرى. اتهامات تتحدث عن سوء إدارة للتمويلات والمنح، حيث تُمنح الأفضلية، بحسب مصادر مقدسية، لأبناء الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، فيما يُترك الطلبة المقدسيون في طوابير الانتظار. ويُستشهد هنا ببرنامج منح أُعلن عنه بقيمة 9 ملايين دولار لصالح القدس، وأكد محللون تواصلوا مع الرسالة أن معظمه ذهب لفئة محددة، بينما لم تصل “المفاجآت المالية” الموعودة إلى الطلبة المحتاجين فعليًا.
كما تشير معلومات إلى أن 53% من أسهم شركة الكهرباء التابعة للسلطة مملوكة لرجال أعمال إسرائيليين، فيما تتوزع بقية الأسهم على رجال أعمال فلسطينيين مؤيدين لحركة فتح. وفي ظل هذا الواقع، يبقى المواطن المقدسي هو الخاسر الأكبر، يدفع ويعاني، دون ضمانات حقيقية للعلاج أو الاستقرار الصحي.
كل ذلك يحدث في وقت تتدفق فيه الأموال باسم القدس من حملات تبرع في الأردن والخليج والولايات المتحدة، إضافة إلى مؤسسات تعمل تحت عناوين كبيرة مثل المؤتمر الشعبي ولجنة القدس القطرية. لكن هذه الأموال، وفق ما يؤكده مواطنون، لا تنعكس على شكل خدمات أو مشاريع مستدامة، لتتحول القدس، في نظرهم، إلى عنوان جذاب لجمع التبرعات لا أكثر.
مأساة المقدسي المركبة
وفي المقابل، يتحمل المقدسي أعباء مالية ثقيلة لصالح الاحتلال الإسرائيلي؛ فهو يدفع ضريبة الأملاك، وضريبة الدخل، وضريبة القيمة المضافة، ورسوم رخص البناء والمخالفات، إضافة إلى اقتطاعات التأمين الصحي والاجتماعي من راتبه، دون أن يحصل على خدمات عادلة. بل يرى بأم عينه كيف تُوجَّه هذه الأموال لتطوير الأحياء الاستيطانية، بينما تُهمل الأحياء الفلسطينية وتُحاصر.
في هذا السياق، يتكرر السؤال المؤلم على ألسنة المقدسيين: أين السلطة الفلسطينية؟ ولماذا تغيب عن معركة القدس بينما تكتفي بجمع الأموال باسمها؟ ويرى محللون أن هناك شبكة وُصفت بـ“الزبائنية” تجمع التمويل وتوزع الامتيازات على أساس الولاء لا الحاجة، تاركة المواطن العادي خارج الحسابات.
الأرقام وحدها تكشف حجم المفارقة؛ فبحسب معطيات متداولة، بلغت ميزانية القدس خلال عشرين عامًا نحو 180 مليون دولار فقط، مقابل ميزانية وصلت إلى 3.3 مليارات دولار لمكتب الرئيس، وهي أرقام تطرح تساؤلات قاسية حول الأولويات السياسية والمالية، وموقع القدس الحقيقي في أجندة السلطة.
كلام أكيد
المحلل السياسي محمد هلسة قال، في مقابلة مع الرسالة، إن القدس ببساطة ليست أولوية لدى السلطة الفلسطينية، وإن الميزانيات المرصودة لا ترقى إلى مستوى المشروع الإسرائيلي المتصاعد في المدينة. ويرى أن السلطة تحاول تجنب أي صدام مباشر مع الاحتلال، محافظة على “شعرة معاوية”، حتى لو جاء ذلك على حساب القدس وسكانها، مضيفًا أن مؤسسات المجتمع المدني تعمل ضمن السقف ذاته، ملتزمة بحدود ما يسمح به الاحتلال، وغير مستعدة لتجاوز هذا الإطار.
من جانبه، يصف كاتب ومحلل مقدسي معارض، رفض ذكر اسمه، المشهد بحدة أكبر لـالرسالة، معتبرًا أن مؤسسات السلطة في رام الله تتعامل مع القدس كمصدر مالي وسياسي. ويقول إن هذه المؤسسات تحولت إلى “مزارع” تُستخدم لتمويل أبناء حركة فتح ونشاطاتها، وتوزيع الوظائف والمنح وفق الانتماء لا الاستحقاق.
ويشير إلى صراعات داخلية بين أجنحة في الحركة للسيطرة على مؤسسات مثل الهلال الأحمر، وأخرى بين محافظة القدس وهيئة شؤون القدس، في ما يشبه صراعًا على “تقسيم الكعكة”، وسط حديث واسع عن زعرنة ورشاوى وملفات يقودها أشخاص معروفون منذ سنوات، حسب تعبيره.
السلطة فقدت مكانتها
ويضيف المحلل السياسي علي الأعور، في مقابلة مع الرسالة، أن مدينة القدس تشهد سياسة ممنهجة تستهدف تهويدها بالكامل، ومنع وصول أي شكل من أشكال الدعم إلى سكانها الفلسطينيين، في إطار مخطط متكامل لدفع المقدسيين إلى العيش في ظروف بالغة القسوة، تمهيدًا لتهجيرهم، لا سيما من البلدة القديمة ومحيطها.
ويؤكد الأعور أن المقدسي يعيش اليوم حياة بائسة، تُفرض عليه قيود صارمة تطال أدق تفاصيل حياته اليومية؛ فهو ممنوع من البناء، ومُضيَّق عليه في ممارسة شعائره الدينية، ويُحاصر بإجراءات تعسفية تجعله عاجزًا حتى عن ترميم بيته أو إصلاح البنية التحتية المتداعية لمسكنه. ويشير إلى أن هذه السياسات ليست عشوائية، بل جزء من مخطط إسرائيلي واضح يهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين عبر خنقهم اقتصاديًا ومعيشيًا ودينيًا.
وفيما يتعلق بدور السلطة الفلسطينية، يرى الأعور أن هذا الدور بات شبه غائب في القدس منذ استشهاد فيصل الحسيني، معتبرًا أن السلطة تعيش أصلًا أزمة شرعية عميقة في رام الله تجعلها غير قادرة، أو غير راغبة، في تقديم دعم حقيقي لأهالي القدس. ويضيف أن تفجر ملفات الفساد التي كشفت عنها تقارير دولية، من بينها تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، أفقد السلطة ما تبقى لها من ثقة ودعم في الشارع المقدسي، الذي لم يعد يرى فيها جهة قادرة على حمايته أو تمثيل قضاياه.
في النهاية، تبدو القدس اليوم مرآة مكشوفة لخلل سياسي وإداري عميق، حيث تتحول المؤسسات من أدوات صمود إلى دكاكين تمويل، ويُترك المواطن المقدسي وحيدًا في مواجهة الاحتلال. وبينما تستمر الحملات والشعارات، يبقى السؤال معلّقًا: هل ما زال هناك من يتذكر أن في هذه المدينة شعبًا يريد أن يعيش، لا أن يُستَخدم عنوانًا لجمع الأموال؟