مع الفجر، تبدو التلال الغربية لبلدة دورا وكأنها تستيقظ على مشهد جديد لا يشبه ذاكرتها الزراعية. خطوط ترابية مستحدثة تشقّ السفوح، أسلاك معدنية تحيط بمساحات كانت حتى وقت قريب حقول قمح وزيتون، وكرافانات بيضاء تحوّلت سريعًا إلى نواة مستوطنة تحمل اسم “ناحال دورون”.
هنا، لا يُعلَن الاستيلاء بصوت عالٍ؛ يكفي تغيير المشهد ليُفهم أن الأرض انتقلت من يدٍ إلى أخرى.
تكوّنت المستوطنة وفق النمط ذاته الذي بات مألوفًا في جنوب الخليل: حضور استيطاني محدود، حماية عسكرية، ثم قرار حكومي يُحوّل المؤقت إلى دائم.
في عام 2025، صادقت الحكومة الإسرائيلية على إقامة 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، ضمن موجة توسّع غير مسبوقة منذ سنوات. “ناحال دورون” واحدة من هذه المشاريع، أُقيمت على أراضٍ زراعية خاصة غرب دورا، في منطقة تُعد من السلال الغذائية المحلية وتعتمد عليها عشرات العائلات الفلسطينية في معيشتها.
مصادرة الأرض لم تأتِ بمرسوم تعويض أو مسار قانوني واضح، بل عبر أوامر عسكرية وذرائع أمنية شائعة، أبرزها إعلان المناطق “مغلقة” أو “ضرورية لأغراض أمنية”. النتيجة واحدة: منع الوصول، خسارة الموسم، ثم خسارة الأرض نفسها.
ومع تثبيت المستوطنة، أُغلقت طرق فرعية، وتغيّر مسار الحركة اليومية، واتسعت رقعة السيطرة المحيطة بالموقع، بما يحوّل الجغرافيا إلى شبكة قيود متداخلة.
الأرقام تشرح عمق التحوّل. منذ عام 2022، جرى الإعلان عن شرعنة أو إنشاء نحو 69 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية، فيما تشير تقارير حقوقية إلى مصادرة آلاف الدونمات خلال الأعوام الأخيرة.
في محافظة الخليل وحدها، تتكرّر الخريطة ذاتها: بؤر تبدأ صغيرة، ثم تُربط بطرق التفافية، وتُمنح حماية دائمة، قبل أن تُدرج رسميًا على قوائم المستوطنات.
هذا التراكم لا يغيّر ملكية الأرض فحسب، بل يعيد رسم المجال الحيوي للفلسطينيين على نحو يضيّق فرص الزراعة والعمل والتنقّل.
التأثيرات لا تقف عند حدود الاقتصاد. فقدان الأرض الزراعية يضرب الأمن الغذائي المحلي، ويضغط على النسيج الاجتماعي، ويُنتج أشكالًا من التهجير الصامت.
مع كل توسعة، تتقلّص المساحات المفتوحة، وتزداد نقاط الاحتكاك، ويتحوّل اليومي إلى عبء ثقيل. وفي 2025، يتّضح أن الاستيطان لم يعد حدثًا متقطعًا، بل سياسة متكاملة تُدار بالقرارات والتخطيط والتمويل.
خطر “ناحال دورون” لا يكمن في عدد كرافاناتها، بل في موقعها ووظيفتها ضمن مشهد أوسع يهدف إلى تفتيت جنوب الخليل وعزل بلداته. إنها حلقة جديدة في سلسلة تُقوّض إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا، وتُرسّخ واقعًا أحادي الجانب على الأرض.
وبينما يعتبر القانون الدولي المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة غير شرعية، يواصل الواقع الميداني فرض نفسه، تاركًا الأرض بلا أصحابها، والحقول بلا موسم، والمشهد بلا عدالة.