لا يقتصر عدوان الاحتلال الإسرائيلي على المسجد الأقصى على الاقتحامات والطقوس التوراتية في مواسم الإعياد الدينية، بل يترافق مع ذلك معركة أخرى لا تقل خطورة عن تلك الاقتحامات حيث معركة الدعاية والتضليل التي ينتهجها المستوطنين.
مع كل تصعيد في القدس أو اقتحام للمسجد الأقصى خاصة وقت الأعياد الدينية تنشط منصات وصفحات إعلامية موجهة تسعى إلى تسويق سردية "الهدوء في الأقصى"، والتقليل من خطورة ما يجري داخله، بل ونفيه أحياناً، عبر تصوير الاقتحامات على أنها أحداث هامشية أو "تهويلاً إعلامياً" لا يعكس الواقع.
هذه الدعاية التي يديرها إسرائيليون، تتجدد مع كل عيد عبري، تهدف إلى تخدير الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، وتحييد المسجد الأقصى عن دوره التاريخي كمحرك للفعل الجماهيري ومركز للصراع.
"أخبار القدس، الأقصى بخير" صفحات مشبوهة
في هذا السياق، يلفت الباحث والمختص في الشأن المقدسي زياد ابحيص إلى تصاعد نشاط صفحات دعائية محددة منذ مطلع عام 2025، تعمل وفق منهجية واضحة تقوم على التشكيك والإرباك المعرفي، دون تقديم رواية بديلة متماسكة، بما يضع المتلقي في حالة حيرة تمنعه من إدراك حجم الخطر الحقيقي المحدق بالمسجد الأقصى.
من أبرز هذه الصفحات: صفحة "أخبار القدس"، التي تمتلك موقعاً إلكترونياً وحساباً على فيسبوك، وصفحة "الأقصى بخير" الناشطة على فيسبوك.
بحسب تحليل ابحيص، فإن الصفحتين تنشطان بشكل لافت ومتزامن مع مواسم العدوان الكبرى على المسجد الأقصى، وخصوصاً خلال الأعياد اليهودية. فقد كثفتا نشر المحتوى خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025، بالتوازي مع اقتحامات رأس السنة العبرية، ويوم الغفران، وعيد العرش، وصولاً إلى ما يسمى بـ “فرحة التوراة”.
كما عاد نشاطهما للواجهة في الأسبوع الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، عقب محاولة المستوطنين إدخال القربان الحيواني إلى الأقصى في 18-11-2025، ثم مع الدعوات لاقتحامه في “عيد سِجِد” الخاص بيهود الفلاشا. وتكرر الأمر مجدداً مع “عيد الأنوار” (الحانوكاه) الذي انتهى في 22-12-2025. هذا التزامن، كما يشير ابحيص، ليس عفوياً، بل يعكس وظيفة دعائية مباشرة تهدف إلى تمرير العدوان بأقل قدر ممكن من ردود الفعل.
التحليل التقني للصفحتين يكشف، وفق ابحيص، عن مؤشرات قوية على تبعيتهما لإدارة واحدة. فصفحة "أخبار القدس" أُنشئت في 27 كانون الثاني/يناير 2025، ويديرها شخص واحد موقعه في "إسرائيل" مع إخفاء بياناته، وتعتمد بشكل ملحوظ على الإعلانات الممولة، خصوصاً في فترات الأعياد اليهودية.
أما صفحة "الأقصى بخير"، فقد تأسست أصلاً باسم "الأقصى عشقي" في 26 تموز/يوليو 2022، أي قبل أيام قليلة من عدوان "ذكرى خراب الهيكل" في 7-8-2022، ثم غيّرت اسمها إلى "الأقصى بخير" في 26 كانون الثاني/يناير 2025، أي قبل يوم واحد فقط من إنشاء الصفحة الأولى. ويدير هذه الصفحة شخصان يقيمان في "إسرائيل" مع إخفاء معلوماتهما، كما تعتمد هي الأخرى على الإعلانات الممولة في التوقيتات ذاتها، ما يعزز فرضية الإدارة المشتركة والهدف الموحد.
أما على مستوى المحتوى، فيوضح ابحيص أن صفحة "أخبار القدس" تركز على إبراز "استمرار الصلوات" في المسجد الأقصى، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أن كل شيء بخير طالما أن الصلاة قائمة. فهي تتحدث عن الصلاة رغم الاقتحامات، ورغم محاولات إدخال القربان، ورغم الحفريات، وكأنها تقول للمسلمين: صلّوا واصمتوا، ولا شأن لكم بما يجري خارج هذا "الدور الوظيفي".
هذا المنطق، كما يبين ابحيص، هو ذاته الذي تبنته "صفقة القرن" حين فرقت بين "مصلين هادئين" و"مثيري شغب"، وهو منسجم تماماً مع مشروع التقسيم الزماني والمكاني للأقصى.
في المقابل، تعتمد صفحة "الأقصى بخير" أسلوباً أكثر دهاءً، إذ تتخفى خلف خطاب دعوي وانتقاء محسوب لكلمات ومحاضرات دينية، لتبدو وكأنها جزء من الصف الإسلامي. لكنها، عند التدقيق، تروج لمفاهيم خطيرة، مثل التركيز على "السكينة" و"الالتقاء بين الرسالات"، واستخدام مصطلحات كـ "الزائرين" بدلاً من "المصلين"، وتبني توصيفات مثل "عرب الداخل" بدلاً من "فلسطينيي الداخل"، وكلها مصطلحات تنسجم مع الخطاب الصهيوني الساعي إلى نفي الحصرية الإسلامية عن المسجد الأقصى.
ويخلص زياد ابحيص إلى أن أخطر ما تكشفه هذه الصفحات ليس فقط مضمونها، بل الدافع الكامن خلفها: الخوف الأمني الصهيوني من عودة المسجد الأقصى ليكون عنواناً لاستنهاض الهمم وتفجير الفعل الجماهيري، كما حدث في محطات تاريخية سابقة. لذلك، جرى تأسيس هذه الأدوات الدعائية مع مطلع عام 2025، بالتزامن مع هدنة طويلة وقبيل شهر رمضان، ضمن استراتيجية تهدف إلى تثبيط مكانة الأقصى وتهميش قضيته والتشكيك بالخطر المحدق به.
هذا الخوف، كما يؤكد ابحيص، يجب أن يتحول إلى دافع معاكس: إلى مزيد من التمسك بالمسجد الأقصى عنواناً مركزياً، ومتابعة ما يجري فيه ونقله إلى كل بيت وشارع، حتى يبقى الأقصى بوابة للمفاجآت التي تربك الحسابات الأمنية للاحتلال، وتحميه من مخططات التقسيم والتصفية.