لم يكن البحر بعيدًا هذه الليلة في غزة.
تقدّم، كما لو أنّ الشتاء أطلقه من عقاله، موجٌ ممدود بالغضب، ثقيل بالمطر والريح، زحف في العتمة حتى بلغ الخيام المنهكة على الشاطئ. لم يطرق بابًا، لم يستأذن نومًا؛ دخل دفعةً واحدة، وترك الملح والماء في كل شيء.
مع الفجر، لم يستيقظ أهل الخيام على ضوء الصباح، بل على صوت الماء وهو يصفع القماش. أقدامهم الأولى لمست برودة البحر، لا أرضًا. الفرش صارت إسفنجًا، الأغطية أثقل من أن تُحمل، والملابس عالقة بين الرمل والمطر. أطفال ينهضون وهم يبحثون عن دفءٍ ضاع، وأمهات يلممن الليل من شعور الصغار المرتجفة.
الخيام — التي لم تكن يومًا بيوتًا — لم تصمد. قماشٌ رقيق، أعمدة واهنة، لا أرضية تقي من الطين، ولا سقف يمنع السماء. المطر حاصرهم من فوق، والبحر باغتهم من الأمام، والريح أطفأت آخر وهمٍ بالاحتماء. بعض الخيام غاصت كقوارب مثقوبة، وبعضها انجرف أمتارًا، تاركًا وراءه أسماء العائلات مبعثرة على أكياسٍ مبللة.
في هذا الصباح، لا أحد يُحصي الخسائر؛ لأن الخسارة صارت عادة.
تُعدّ الأنفاس فقط: طفل لم يُصبه بردٌ قارس، مسنّ نجا من ليلة بلا نوم، أمّ خبّأت صورة تحت قميصها فنجت من الغرق. الطعام القليل ابتلّ، الدواء تشبّع بالملح، والذكريات — حتى الذكريات — بردت.
هنا، في غزة، لم يعد الشتاء فصلًا عابرًا، بل تحوّل إلى امتحانٍ قاسٍ، بل إلى عقدةٍ نفسية وذُعرٍ مؤلم. يغرق الإحساس بأن للعالم سقفًا، وبأن للإنسان حقًا في صباحٍ جاف.
يخرجون من خيامهم، يواجهون البحر.
وعلى الجانب الآخر من المدينة، ترحل فتاةٌ وهي نائمة، بعدما سقط جدارٌ متصدّع على جسدها بفعل الرياح العاتية.
وبإمكاناته البسيطة، التي تكاد تكون معدومة، يُحصي جهاز الدفاع المدني كل ليلة الخسائر بعجزٍ وقلة حيلة، ويؤكد أنه خلال المنخفض الجوي الأخير غمرت مياه الأمطار نحو 1,542 خيمة للنازحين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، معظمها في المخيمات القريبة من الشاطئ، وسُجّل ارتفاع منسوب المياه داخلها لأكثر من 30 سنتيمترًا.
وفي الأيام الماضية، وخلال المنخفضات العنيفة، تضررت أو غمرت أكثر من 27,000 خيمة نزوح بالكامل، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ما يعني أن عشرات الآلاف من الأسر فقدت ملاذها المؤقت.
كما تلقّى الدفاع المدني أكثر من ألف طلب مساعدة من نازحين غمرت مياه الأمطار خيامهم واضطروا لطلب إخلاءٍ عاجل.
ولم تكن الخيام وحدها من غرقت؛ فقد أدّت الأمطار الغزيرة والبرد القارس إلى وفاة عدد من المدنيين، من بينهم أطفال، إضافة إلى انهيارات جزئية في منازل مدمّرة سابقًا، ما فاقم مأساة الناس الذين يعيشون بلا سقف يحميهم.
تتدلّى أثوابهم المبللة، ولم تعد الأغطية الثقيلة تحمي من البرد، بينما يلوح الليل القادم بظلالٍ أكثر قسوة.
هؤلاء الذين استيقظوا ليجدوا خيامهم غارقة في بحرٍ لا يُلطّفه سوى رحمة الله، يبقون هناك، يراقبون أمواج الطين والمياه، ويتساءلون: كيف ينجون من شتاءٍ لا يرحم، في قلب غزة التي لا تزال تنزف.