قائمة الموقع

أبو عبيدة.. أيقونة عالمية للمقاومة اشتبكت مع الاحتلال وكسرت روايته

2025-12-29T17:41:00+02:00
الرسالة نت - خاص


في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2004، خطف صوت أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، ألباب الملايين عند أول خطاب ظهر فيه عبر وسائل الإعلام. لم يكن ظهوره عابرًا، إذ سرعان ما تحوّل، بكوفيته الحمراء وصوته الصارم، إلى أيقونة من أيقونات المقاومة الفلسطينية، وحضورٍ إعلامي انتظره الملايين داخل فلسطين وخارجها.
منذ ذلك الظهور الأول، ذاع صيت أبو عبيدة في العالم المناصر للقضية الفلسطينية، وبات اسمه مرتبطًا بخطابات القسام وبياناتها المصورة. ومع كل إطلالة، كان جمهوره يتسع، فالملايين كانوا ينتظرونه عبر شاشات التلفاز، فيما كان أهالي فلسطين على موعد مع ما اعتبروه “الحقيقة” عندما يطل ليعلن هزيمة الاحتلال الإسرائيلي في جولات قتالية متعددة، خاصة خلال العامين الماضيين من حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. وقد شكّلت كلماته مصدر ثقة لدى الجمهور، لما اتسمت به من حزم ومصداقية.

الملثم صاحب الكوفية الحمراء

لم يقتصر تأثير أبو عبيدة على الكبار، بل امتد إلى الأطفال؛ إذ كان الصغار ينتظرونه ويقلدونه، حتى بات بعضهم يقول: "أنا أبو عبيدة بدي أخوّف إسرائيل"، هكذا تحوّل من مجرد متحدث عسكري إلى رمز للقوة والثبات في المخيال الشعبي الفلسطيني، وفي الوقت نفسه مصدر رعب للاحتلال الإسرائيلي.

رفعت صوره في المظاهرات التي جابت العالم دعمًا لغزة ورفضًا للعدوان، ومع معركة "طوفان الأقصى" تجاوز حضوره كونه أيقونة إعلامية، ليغدو واحدًا من الرموز الكبرى في تاريخ المقاومة الفلسطينية، ما استدعى تساؤلات واسعة حول الأسباب التي حولته من متحدث إعلامي باسم كتائب القسام إلى رمز بارز من رموز المقاومة وطوفان الأقصى.

برز اسم أبو عبيدة بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ثم عاد إلى الواجهة بقوة خلال حرب عام 2014، عقب إعلانه اختطاف الجندي الإسرائيلي شاؤول آرون، في وقت كانت فيه إسرائيل قد أعلنت مقتله. ذلك الإعلان شكّل محطة مفصلية في حضوره الإعلامي، ورسّخ صورته كصوت يربك الرواية الإسرائيلية.

في معركة "طوفان الأقصى"، برز أبو عبيدة بصوتٍ يوازي حجم المعركة، مرتديًا لباسًا عسكريًا كاملًا، وخلفه راية كتائب القسام، وملثمًا بالكوفية الفلسطينية الحمراء التي مثّلت جانبًا من الهوية الفلسطينية، تعلوها عصبة كتائب القسام. 

عُرف بصوت صارم، يتناسب مع البيانات الحاسمة التي غالبًا ما حسمت الجدل بين الزيف الإعلامي الإسرائيلي وحقيقة الإنجازات التي صنعتها المقاومة فوق الأرض وتحتها.

تلك الإنجازات كبّلت الاحتلال على مدار عامين، كُشف عن بعض خسائرها، فيما بقي الكثير منها طيّ الكتمان. وكانت البيانات المسجلة التي تبثها كتائب القسام، بصوت أبو عبيدة، تُعرض في لحظات التصعيد أو عقب عمليات نوعية، بنبرة محسوبة وحضور حازم، ما جعل إطلالاته جزءًا أساسيًا من الحرب النفسية بين المقاومة وإسرائيل.
وساعد في اكتساب شعبيته ما وُصف بالمصداقية؛ إذ لم يُعرف عنه المبالغة في عرض العمليات العسكرية، إلى جانب فصاحة لسانه، واستشهاده المتكرر بالقرآن الكريم. كما لم تكن رسائله موجهة للاحتلال فقط، بل خاطب “أحرار العالم” في كل تسجيلاته وبياناته.

أبو عبيدة يشتبك مع الاحتلال إعلاميا
يفسر الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفه، الإعلان عن غياب أبو عبيدة إلى جانب ثلّة من قيادات الصفّ الأول في الكتائب، بأنه يُشكّل علامةً فارقة في تاريخ حركة حماس عمومًا، والجناح العسكري، كتائب القسام، على وجه التحديد.

ويقول عفيفه :" إذا ما تحدّثنا عن الحالة الرمزية التي مثّلها أبو عبيدة، بوصفه الناطق الرسمي لسنوات او الملثّم كما جاء في اوصافه، فإننا أمام ظاهرة فريدة في سياق الاشتباك مع الاحتلال؛ اشتباكٌ لم يكن عسكريًا فقط، بل إعلاميًا وسرديًا ورمزيًا أيضًا".

ويضيف:" إطلالات أبو عبيدة كانت بالغة التأثير، إلى حدّ أنها نفذت إلى داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته، على مدار سنوات طويلة من المواجهة، منذ عام 2003، وقد حاز درجة عالية من المصداقية، حتى بات ما يقوله يُستمع إليه داخل المجتمع الإسرائيلي أحيانًا باعتباره أكثر صدقية مما ينقله جيشهم وقياداتهم السياسية والعسكرية".

وبحسب عفيفه فإن، أبو عبيدة شكّل حالة استثنائية في الوعي العربي والإسلامي، حيث توحّدت حول صورته وإطلالاته مشاعر وقلوب وعقول المؤيدين والمساندين للقضية الفلسطينية، وبالفعل، تحوّل إلى أيقونة عوّضت غيابًا طويلًا لمن يتصدّى علنًا لدولة الاحتلال ويتحدّاها، وعبّر في الوقت ذاته عن مخزونٍ داخلي من الحنين إلى لحظات المواجهة المباشرة، حين تقف المقاومة وجهًا لوجه أمام الاحتلال.

وأوضح أنه لهذا، أصبح أبو عبيدة أيقونة مركزية في المشهد، وكان تأثيره في الرأي العام العربي والإسلامي، وحتى الدولي، لافتًا ومميّزًا على مدار السنوات الماضية، وليس من قبيل الصدفة أن يحرص الاحتلال، في أكثر من معركة، على استهدافه، وأن يعتبره أحد أبرز عناصر المواجهة والتحدّي، وقد نجا بالفعل من محاولات اغتيال عديدة.

أما الإعلان اليوم عن استشهاده بعد استهدافه قبل نحو اربعة أشهر، يفسر عفيفه ذلك:" لا شكّ أنه يطرح تحدّيًا كبيرًا، إذ إن تعويض هذه الحالة الرمزية لن يكون سهلًا، لكنه في الوقت ذاته ليس مستحيلًا، فقد ترك إرثًا راسخًا، وأيقونة يمكن البناء عليها"، مضيفا:وفي النهاية، هكذا هي المواجهة، وهكذا هي حياة المقاومة؛ مسارٌ لا يتوقّف، لأنها في حالة تصدٍّ ومجابهةٍ مستمرة مع الاحتلال
"من مسافة صفر" ، "يا أحرار العالم"

وتوقّف كثيرون عند تعبيراته التي تحولت إلى عبارات متداولة، مثل "من المسافة صفر"، و"يا أحرار العالم"، إضافة إلى عبارته الشهيرة التي كان يختم بها بياناته: “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وإنه لجهاد نصر أو استشهاد".

في 30 أغسطس/آب، اغتالت إسرائيل أبو عبيدة، وفي 29 ديسمبر/كانون الأول، أعلنت كتائب القسام نعيه رسميًا. ورغم غيابه، ظل حضوره حاضرًا في الذاكرة الجمعية، إذ كان ظهوره في كل مواجهة على غزة حدثًا بحد ذاته، ونموذجًا لخطاب يقاتل بالكلمة كما يقاتل بالسلاح، ويُبقي جذوة الصمود مشتعلة.

وُلد أبو عبيدة، واسمه الحقيقي الكحلوت، في بلدة "نعليا" قرب عسقلان المحتلة، قبل أن تستقر عائلته في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة. حصل عام 2013 على درجة الماجستير من جامعة الأزهر في غزة، وكانت رسالته بعنوان:"الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام"، ما يعكس اهتمامًا فكريًا بجذور الصراع الديني والتاريخي في فلسطين.

ورغم حضوره الإعلامي الطاغي، حافظ أبو عبيدة على حياته الخاصة بعيدًا عن الأضواء. وتشير المعلومات المتاحة إلى أنه أب لأربعة أبناء: ليان ومنة الله، وهما حافظتان لكتاب الله، إضافة إلى يمان وإبراهيم.
منذ توليه منصب الناطق باسم كتائب القسام عام 2002، كان هدفًا دائمًا لجيش الاحتلال، الذي حاول اغتياله مرارًا خلال الحروب السابقة. ومع ذلك، بقي صوته حاضرًا في كل معركة، دون أن يُكشف وجهه أو تُعرف تفاصيل حياته.

وأكد مصدر مقرّب من المقاومة أن شخصية أبو عبيدة معروفة في نطاق مخيمه وجيرانه والمسجد الذي كان يصلي فيه، وأن اسمه وصورته متداولان في أوساط المتابعين لشؤون المقاومة منذ عام 2014، مشيرًا إلى أن اللثام لم يكن مجرد وسيلة للتخفي، بل رمزًا للمقاومة

وإنكار الذات، وإبرازًا لهوية الجماعة على حساب الفرد.
ورغم إعلان استشهاده، يبقى أبو عبيدة حالة تتجاوز الشخص نفسه، وصوتًا ارتبط في الوعي الفلسطيني والعربي بروح المقاومة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.

اخبار ذات صلة