قائمة الموقع

خطاب أبو عبيدة: رسائل الاستمرارية  في توقيت سياسي حاسم

2025-12-29T20:32:00+02:00
الرسالة نت - خاص

 لم يكن الخطاب الأخير الصادر عن الناطق العسكري لكتائب القسام مجرّد ظهور إعلامي جديد، بل جاء محمّلًا برسائل مركبة، تنظيمية وسياسية ونفسية، في توقيت بالغ الحساسية، داخليًا وخارجيًا. فبين رمزية الاسم، وتوقيت الظهور، ومضمون الرسائل، بدا الخطاب وكأنه رسالة واضحة بأن المقاومة تعمل وفق بنية مؤسسية متماسكة لا تتأثر باغتيال الأفراد، وأن الرمزية التي يمثلها “أبو عبيدة” تتجاوز الشخص لتعبّر عن مشروع مستمر. 
وجاء توقيت الظهور  استجابة لسياق سياسي ضاغط، في ظل محاولات فرض شروط تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة

رمزية الاسم واستمرارية المشروع

يرى رامي خريس، مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، أن إعادة استخدام كنية «أبو عبيدة» تحمل دلالة رمزية عميقة، تهدف إلى تكريس فكرة استمرارية الرسالة والمشروع العسكري، بعيدًا عن الأشخاص. فالاسم هنا ليس تفصيلًا شكليًا، بل جزء من بناء رمزي راكمته المقاومة على مدار سنوات، وأسهم في ترسيخ حضورها في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي.

ويقول خريس إن هذا الاختيار يعزز التماهي الشعبي مع الخطاب، خصوصًا في ظل الأثر النفسي الكبير الذي تركته خطابات الناطق السابق خلال الحرب، ما يجعل “أبو عبيدة” رمزًا يتجاوز الفرد ليعبّر عن مؤسسة وخط ونهج متواصل.

ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة المحلل والكاتب السياسي محمد أبو قمر، الذي يرى أن ظهور الناطق العسكري الجديد، أو إعادة تقديم الشخصية ذاتها، يؤكد أن كتائب القسام تعمل وفق تسلسل هرمي صارم، وأنها اتخذت احتياطاتها التنظيمية حتى في ذروة المعركة، بما يضمن سد أي فراغ قيادي أو إعلامي محتمل.

توقيت محسوب ورسالة سياسية

ويشير أبو قمر إلى أن توقيت الخطاب يتزامن مع زيارة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، ما يمنحه بعدًا سياسيًا واضحًا. فالرسالة لم تكن موجهة للداخل فقط، بل حملت ردًا غير مباشر على محاولات فرض شروط سياسية جديدة، خاصة ما يتعلق بملف نزع سلاح المقاومة.

ويؤكد أن المقاومة، من خلال هذا الظهور، أرادت إيصال رسالة مفادها أنها ما زالت تمتلك زمام المبادرة، وقادرة على توجيه خطابها في اللحظة التي تراها مناسبة، رغم كل محاولات الاستهداف والتشويش.

خطاب تعبوي موجّه للداخل

من جانبه، يصف خريس الخطاب بأنه تعبوي وجماهيري بامتياز، موجّه أساسًا إلى الجمهور الداخلي في قطاع غزة. ويتجلى ذلك في لغته العاطفية، والتحية المباشرة لأهل القطاع، واستحضار مفردات الكرامة والصمود، في محاولة لإعادة ترميم المعنويات في ظل حجم الدمار والمعاناة الإنسانية غير المسبوقة.

ويعتبر أن هذا البعد العاطفي لم يكن منفصلًا عن الرسالة السياسية، بل جاء ليؤكد عمق الارتباط بين المقاومة وحاضنتها الشعبية، في مواجهة مساعٍ (إسرائيلية مستمرة لفصل المجتمع عن قيادته المقاومة.

إدارة الاستشهاد والفراغ القيادي

وفي سياق متصل، يلفت أبو قمر إلى أن إعلان المقاومة عن استشهاد قيادات بارزة في هذا التوقيت يخالف نهجها المعتاد خلال المعارك، إذ درجت على تأجيل مثل هذه الإعلانات إلى فترات التهدئة، لأسباب أمنية وتنظيمية.

ويوضح أن الإعلان عن الاستشهاد غالبًا ما يكون مقرونًا برسالة غير مباشرة مفادها أن البديل حاضر، وأن المؤسسة لم تتأثر. وهو ما ينسحب على شخصية “أبو عبيدة” نفسها، حيث تشير المعطيات إلى أن الناطق الجديد كان ملازمًا للناطق السابق في الميدان، في إطار نقل الخبرة والاستعداد المسبق لأي طارئ.

إعادة تأطير السابع من أكتوبر ووقف إطلاق النار

ويرى خريس أن الخطاب أعاد وضع أحداث السابع من أكتوبر في سياقها الاستراتيجي الأوسع، باعتبارها لحظة مفصلية أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي. كما أعاد تعريف وقف إطلاق النار، لا بوصفه استسلامًا أو نهاية للصراع، بل نتيجة لصمود الشعب والمقاومة، ومحطة ضمن مسار طويل من المواجهة.

وفي هذا الإطار، شدد الخطاب على أن التهدئة أداة من أدوات الصراع، وليست غاية نهائية، مع تأكيد الالتزام بها ما التزم الاحتلال ببنودها، مقابل التشديد على حق الرد في حال استمرار الخروقات.

رسائل للاحتلال والوسطاء

ويتفق أبو قمر وخريس على أن الخطاب وجّه رسائل واضحة للاحتلال والوسطاء الدوليين، مفادها أن سلاح المقاومة خط أحمر غير قابل للنقاش، وأن أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية لا يمكن أن تقوم على نزع هذا السلاح.

وبينا أن  الخطاب حمل رسالة تشكيك في جدية الاحتلال بالالتزام بوقف إطلاق النار، مقابل إبراز المقاومة كطرف “مسؤول” يلتزم بتعهداته، لكنه لا يتنازل عن حقه في الرد والدفاع.
وكان المتحدث الجديد باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، "أبو عبيدة"، قد أكد  أن وقف إطلاق النار في غزة وتوقف شلال الدم جاء ثمرةً لصمود الشعب الفلسطيني وثبات مقاوميه، مشددًا على أن المقاومة التزمت بما عليها من التزامات وتعاملت بمسؤولية عالية مراعاة لمصالح أبناء الشعب الفلسطيني.
وقال المتحدث باسم القسام، في خطاب ألقاه مساء اليوم، إنه: "رغم ما جرى من اعتداءات وخروقات منذ توقف الحرب والتي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، فإن المقاومة أدّت واجبها والتزمت بما تم الاتفاق عليه"، داعيًا "جميع الأطراف المعنية إلى لجم الاحتلال وإجباره على الالتزام بما تم الاتفاق عليه".

وأكد أن "حق المقاومة في الرد على جرائم الاحتلال هو حق أصيل ومكفول"، مشددًا على أن "الشعب الفلسطيني يدافع عن نفسه ولن يتخلى عن سلاحه ما دام الاحتلال قائمًا ولن يستسلم ولو قاتل بأظافره".
وذكر أن "الاحتلال فشل في تحقيق أهداف الحرب، ولم يتمكن من نزع روح المقاومة من غزة، كما أخفق في استعادة أسراه بالقوة، ولم يعودوا إلا عبر صفقات التبادل، بعد أن حافظت عليهم المقاومة طوال فترة المعركة".

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00