كيف تستخدم "إسرائيل" الآثار لفرض روايتها التوراتية؟

كيف تستخدم "إسرائيل" الآثار لفرض روايتها التوراتية؟
كيف تستخدم "إسرائيل" الآثار لفرض روايتها التوراتية؟

الرسالة نت- متابعة

منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي، شهدت الضفة الغربية مسوحات أثرية واسعة (1967–1970)، تلتها فترة يمكن تسميتها بـ سنوات "التنقيبات الكبرى" (1970–2010)، حيث سعت إسرائيل إلى ترسيخ حضور مؤسساتها الأكاديمية والعسكرية في الميدان.

ومع دخول عام 2021، دخل علم الآثار مرحلة جديدة، أصبح فيها "علم الآثار التوراتي" أداة مركزية في محاصرة الحيّز الفلسطيني وتسريع مشروع الضم الزاحف، مستغلاً المواقع التاريخية لتعزيز رواية الاحتلال الأحادية.

في أحدث فصول هذه السياسة، أعلنت ما تُسمّى "سلطة الآثار الإسرائيلية"، بالتعاون مع مؤسسة "تراث الحائط الغربي"، عن اكتشاف حوض طهارة أسفل ساحة البراق، يُزعم أنه يعود لفترة الهيكل الثاني.

إلا أن محافظة القدس أكدت أن هذه المزاعم تفتقر لأي أساس علمي محايد، وتتعارض مع قواعد البحث الأثري المعترف بها دولياً، بالإضافة إلى مخالفتها للقانون الدولي واتفاقيات حماية التراث الثقافي، لا سيما قرارات اليونسكو التي أكدت أن المسجد الأقصى وحائط البراق هما تراث إسلامي خالص.

وقالت المحافظة في بيانها إن ما يُروّج له من اكتشافات دينية يهودية ليس سوى تزييف وظيفي للموجودات الأثرية، إذ تشير الدراسات التاريخية إلى أن الأحواض والمنشآت تعود في الواقع إلى الأنظمة المائية الأموية، وأحواض السقاية، وشبكات نقل المياه من برك سليمان إلى القدس، دون أي دليل مادي موثوق يربطها بالطقوس الدينية اليهودية التي يسعى الاحتلال للترويج لها.

ويكشف إشراك شخصيات سياسية إسرائيلية، بما في ذلك وزراء حكومة الاحتلال، في الإعلان عن الاكتشافات وربطها بمناسبات دينية عبرية، الطابع السياسي والدعائي للحفريات، وهو ما يعكس محاولات مستمرة منذ عقود لتهويد المكان وفرض وقائع جديدة على الأرض، في حين رافق هذه الحفريات تدمير ممنهج للطبقات الأثرية العربية والإسلامية المتعاقبة.

وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة الغارديان عن كيفية توظيف الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، بدعم من حلفاء أمريكيين نافذين، للآثار في خدمة أهداف سياسية، حيث أصبحت الحفريات ومشاريع التنقيب أداة لإظهار القدس كعاصمة يهودية موحدة، متجاهلة التعقيدات التاريخية والثقافية والدينية للمدينة. 

وأشارت الصحيفة إلى جولة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأخيرة في القدس، والتي ركزت على المواقع الأثرية، بما في ذلك افتتاح نفق أثري يعرف باسم "طريق الحج" تحت حي فلسطيني في سلوان، المرتبط بمشروع "مدينة داود" الذي تقوده منظمة استيطانية.

وتعكس هذه الإجراءات سياسة علم الآثار الممسوس بالسياسة، إذ يتم استثمار التنقيبات والأدلة المزعومة لإجهاض أي تصور لدولة فلسطينية، وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المدينة القديمة.

ويرى الباحث ألون أراد من منظمة "إيميك شافيه" أن افتتاح النفق في 2019 كان جزءًا من مشروع سياسي يهدف إلى تهويد التراث الفلسطيني، مؤكداً أن الحفر تحت منازل الفلسطينيين دون إذن يُعد ممارسة غير شرعية وخطيرة.

التراث الثقافي الفلسطيني في القدس أداة سياسية

في المقابل، تعرضت غزة مؤخراً لقصف أكبر مستودع للآثار، الذي احتوى على نحو 30 عامًا من العمل الأثري وعشرات آلاف القطع النادرة، مما أدى إلى فقدان جزء كبير من الإرث الحضاري والثقافي المتنوع، بما في ذلك مواد تعود لحضارات وأديان متعددة.

ويشير خبراء إلى أن هذه الخطوة تمثل محاولة إسرائيلية لتقديم خطاب يركز على التراث المسيحي واليهودي لكسب دعم قاعدة الإنجيلية الأميركية، في حين يتم تجاهل التراث الفلسطيني والإسلامي.

وتعكس هذه الأحداث كيف أصبح التراث الثقافي الفلسطيني في القدس أداة سياسية، حيث تستخدم الحفريات والمزاعم الأثرية لفرض رواية احتلالية أحادية، تهدف إلى محو الهوية الفلسطينية والإسلامية للمدينة القديمة، واستبدالها بسردية مختزلة تربط المكان بتاريخ يهودي مزيف.

ودعت محافظة القدس والمجتمع الدولي ومنظمة اليونسكو وكافة الهيئات الحقوقية إلى التدخل الفوري لإيقاف هذه الانتهاكات، وإرسال لجنة دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في الحفريات، وضمان حماية التراث الثقافي والهوية التاريخية للمدينة، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه بحق التاريخ والمقدسات.

إن قصة الأحواض المكتشفة والسياسة الإسرائيلية في توظيف الآثار تُظهر بوضوح كيف يمكن للتاريخ العريق للقدس أن يتحول إلى أداة للتهويد وفرض رواية سياسية أحادية، في حين يبقى التراث الفلسطيني والإسلامي مهددًا وسط صمت دولي نسبي وتحديات كبيرة لحماية الإرث الثقافي الإنساني في القدس.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير