قائمة الموقع

غرقًا في النيل.. رحيل حمزة العقرباوي حارس الحكاية الفلسطينية

2025-12-30T14:05:00+02:00
خاص- الرسالة نت

في غزة، حين نريد أن نفهم تفاصيل القرى والأزقة في الضفة المحتلة أو القدس، كان اسم واحد يتقدّم على غيره: حمزة ديرية "العقرباوي"، لم يكن مجرد مصدر معلومات، بل حارسًا للحكاية الفلسطينية، وذاكرةً تمشي على قدمين.

 مع كل حدث أو موسم، كنا كصحفيين نتسارع للاتصال به، حتى أصبح هو من يبادرنا بالسؤال بلهجته الفلاحية المحببة: "ما بدكم تعرفوا التفاصيل؟". 

اشتهر باسم حمزة العقرباوي نسبة لقريته، رغم أن "ديرية" هي حمولته، وكان يشرح ذلك بفخر، مؤكدًا أن الانتماء للأرض جزء من الهوية. 

وفي مواسم الزيتون والتين واللوز، وفي الشتاء والصيف، كان حمزة يعرف الطقوس كما يعرف خطوط كفّه، لم يكتفِ بسرد الحكاية، بل كان يبدأ دائمًا من "أصلها"، من الأرض التي وُلدت فيها، ومن أفواه الجدّات والجدود الذين حفظوا الذاكرة بصبر السنين. 

كان يؤمن أن الحكاية ليست ترفًا ثقافيًا، بل فعل مقاومة، وأن التمسك بالأرض يبدأ من معرفة قصتها، فقد كان يمشي في البلاد كمن يقرأها سطرًا سطرًا، يدوّنها ويخبّئها في أرشيفه وذاكرته، ليرويها بحبٍّ ككنزٍ ثمين.

ومن يرافق العقرباوي في مرحلة التوثيق يدرك أن لكل حجرٍ في فلسطين اسمًا، ولكل شجرةٍ ذاكرة، ولكل خِربةٍ وقريةٍ حكايةً تنتظر من يرويها ليحفظها من السرقة والضياع.

رحيل "أبو العواجيز" حارس الرواية الفلسطينية

اليوم، ترجل هذا الفارس بصمت، رحل حمزة العقرباوي غرقًا في نهر النيل خلال زيارة لمصر، تاركًا فراغًا كبيرًا في الذاكرة الفلسطينية، وحزنًا يشبه فقدان مكتبة كاملة.

حمزة لم يحمل لقب "الحكواتي" في بداياته، لكنه عاشه بالزي الفلسطيني القديم، والكوفية على كتفيه، جاب قرى فلسطين ومدنها، مرددًا قناعته الراسخة: "من تجوّل في الأرض يملكها". كان يحث الناس، كبارًا وصغارًا، على التمسك بأرضهم، لا فقط بالعيش فوقها، بل بمعرفة تاريخها، وأسماء عيونها، وحكايات شجرها وحجارتها.

لم يحصر الحكاية في الكبار وحدهم، كان يجلس مع الأطفال كما يجلس مع الشيوخ، يحكي لهم، ويعلّمهم كيف يحفظون قصص أجدادهم، وكيف يوثقونها بالكلمة والصوت والصورة. 

كان يقول إن الطفل الذي يعرف حكاية أرضه لن يتركها، وإن الذاكرة حين تُورَّث تصبح أقوى من النسيان. كثيرون من الشباب بدأوا التوثيق بسببه، بعدما شجّعهم وأرشدهم، وفتح لهم باب الحكاية دون تعقيد.

بدأت رحلته من عقربا، القرية الواقعة جنوب نابلس، مسقط رأسه ومسرح طفولته. هناك، التصق بجده كما التصق بالأرض. كان يجلس ليستمع إليه وهو يجمع أهل القرية ليحكي عن حياتهم، عن الزراعة والحصاد، وعن الناس والأيام. من هذا المجلس البسيط وُلدت بذرة المشروع. يقول عن علاقته بالأرض: "علاقتي بها علاقة عشق".

في عام 2006، حمل دفتره وكاميرته، وبدأ بتوثيق تاريخ بلدته، شهدائها، بطولاتها، وما جرى في الأغوار من معارك. توسّعت الفكرة سريعًا لتشمل القرى المجاورة، رغم الصعوبات الاجتماعية وقلة الإمكانيات. كان هدفه واضحًا: صناعة وعي ثقافي حي، لا حبيس الأرشيف.

كان يردد دائمًا مقولته الأشهر: "موت رجل كبير هو بمثابة إحراق مكتبة". ولهذا عاش في سباق مع الزمن، يجالس كبار السن، ينصت لهم، ويشعر – كما قال – أنه مدين لهم جميعًا. من شدة قربه منهم، لقّبه أصدقاؤه بـ "أبو العجايز".

لم تتوقف حكاياته عند حدود فلسطين. مع الوقت، صار يجوب الدول العربية، يروي قصص فلسطين بلهجتها الفلاحية، وبصدق الأرض التي خرج منها، في كل مكان حلّ فيه، كان يحمل فلسطين كما هي: حكاية شعب، وذاكرة أرض، وتفاصيل حياة يومية لا تموت.

في عام 2013، قُدِّم في فعالية بعنوان "أسبوع حكايا فلسطين" بلقب "الحكواتي"، وهو اللقب الذي رفضه أولًا، ثم التصق به لأن الناس رأت فيه من يحكي بلا تكلّف، ويؤرخ بلا ادعاء.

رحيل حمزة ليس خبرًا عابرًا. هو خسارة لذاكرة حيّة، ولرجل جعل من الحكاية جسرًا بين الأرض وأهلها. اليوم، ونحن نسأل بحرقة: من يحكي الحكايا الآن يا حمزة؟، ندرك أن ما تركه أكبر من الغياب، وأن صوته سيبقى في كل قصة وثّقها، وكل طفل تعلّم منه كيف يحفظ حكاية جده… كي لا تغرق الذاكرة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00