شهد المسجد الأقصى المبارك خلال عام 2025 أخطر موجة استهداف ممنهج منذ عقود، في ظل حكومة إسرائيلية تُعد الأكثر تطرفًا في تاريخ الاحتلال، تقودها شخصيات دينية تسعى جهارًا لفرض سيادة يهودية على الحرم القدسي الشريف.
فقد تحوّل العام إلى محطة مفصلية تصاعدت فيها محاولات تغيير الوضع القائم، سواء عبر تكثيف الاقتحامات وتحويلها إلى طقوس توراتية علنية، أو عبر مشاريع تهويدية اتخذت شكل حفريات، واعتداءات على الحراس والخطباء، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني، وصولًا إلى مساعٍ مباشرة للسيطرة على باب الرحمة ومحيطه.
وعلى ضوء المعطيات التي يكشفها لـ"الرسالة نت"، كل من فخري أبو دياب، عضو لجنة أمناء المسجد الأقصى، وحسن خاطر، رئيس مركز القدس الدولي، يتضح أن الاحتلال اتخذ من عام 2025 ساحة اختبار لفرض وقائع جديدة داخل الأقصى، مستغلًا الصمت الدولي والعربي، ومضاعفًا موجات الاقتحام التي ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، مقابل إقصاء المصلين والمرابطين وتقييد دور الأوقاف.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، بدا المسجد الأقصى وكأنه يواجه أخطر تهديد مباشر لهويته الإسلامية منذ أكثر من نصف قرن.
عام الابتلاع!
قال فخري أبو دياب، عضو لجنة أمناء المسجد الأقصى المبارك، إن العام الجاري كان من أكثر الأعوام خطورة على المسجد الأقصى، حيث شهد تصاعدًا غير مسبوق في دائرة الضغط والاستهداف المباشر الذي تمارسه سلطات الاحتلال لفرض واقع تهويدي جديد على الحرم القدسي الشريف.
وأضاف أبو دياب لـ"الرسالة نت"، أن الاحتلال استغل الظروف الإقليمية والدولية ليُمرّر سياسات تستهدف تغيير هوية الأقصى، عبر زيادة أعداد المقتحمين، والسماح لجموع المستوطنين بممارسة طقوس توراتية داخل باحاته، في انتهاك سافر لحرمة المسجد، مشيرًا إلى محاولات إدخال القرابين الدينية، والتي وإن فشلت في النهاية، فإنها شكّلت مؤشرًا خطيرًا لجس نبض الواقع داخل الحرم.
وأوضح أن المسجد الأقصى هذا العام كان يئنّ تحت عمليات طمس متعمدة لتاريخه وحضارته، عبر موجة متصاعدة من الاقتحامات بلغت نحو 70 ألف مقتحم، إلى جانب تكثيف الحفريات وخلق بيئة محاصرة تخنق الأقصى بمشاريع تهويدية تستهدف هويته الإسلامية.
وأشار إلى أن الأقصى كان في قلب معركة مفتوحة، حيث طالت الإجراءات الاحتلالية المرابطين والحراس والأئمة والدعاة، وتم إبعاد الكثير منهم عن المسجد، فضلًا عن منع آلاف الشبان من الوصول إليه ومنعهم من أداء شعائرهم الدينية، ما شكّل اعتداءً مباشرًا على حق العبادة المكفول دوليًا.
وأكد أبو دياب أن وتيرة الاقتحامات شهدت توسعًا غير مسبوق، مترافقة مع تدنيس يومي لباحات المسجد وإجراءات تهويدية متسارعة، ومحاولات حثيثة لفرض التقسيم المكاني في ظل قطع شوط كبير في فرض التقسيم الزماني.
ولفت إلى أن الاحتلال بدأ تنفيذ خطوات مدعومة سياسيًا من الحكومة الإسرائيلية الحالية، وبدعم واضح من الإدارة الأميركية التي تبنّت—وفق قوله—أفكار جماعات الهيكل ومنحت غطاءً لفرض واقع جديد داخل الأقصى.
وبيّن أبو دياب أن سلطات الاحتلال أجرت عشرات الحفريات تحت أساسات المسجد، ما تسبب في تشققات وتصدعات تهدد سلامة مبانيه، مضيفًا أن هدف هذه الحفريات لا يقتصر على تغيير طبقات الأرض، بل يمتد إلى تغيير التاريخ نفسه عبر إعادة تشكيل الجغرافيا الأثرية وخلق رواية تلمودية أحادية تتجاهل كل ما يخالفها.
وأشار إلى أن الاحتلال استغل الصمت الدولي والعربي، الذي بدا وكأنه ضوء أخضر للاستمرار في فرض وقائع تهويدية متسارعة، معتبرًا أن زيادة الاقتحامات جاءت بوتيرة غير مسبوقة، وخاصة بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست أدّوا طقوسًا تلمودية علنية.
ولفت إلى أن سلطات الاحتلال منعت المرابطين والحراس وموظفي الأوقاف من التواجد في مسارات المقتحمين، ومنعت تصوير الاقتحامات، وأصدرت أوامر إبعاد جماعية، في ما يشبه فرض تقسيم زماني كامل.
وأوضح أبو دياب أن الاحتلال منح الجامعات والجماعات التوراتية «ضوءًا أخضر» للتغلغل في المسجد، وحظي بدعم وتغطية كاملة من شرطة الاحتلال ومحاكمه، ما يشير إلى تدرّج واضح في فرض سيادة يهودية على الأقصى وتكريس الوجود الاستيطاني داخله.
وأضاف أن الاحتلال أصبح اللاعب الوحيد في تغيير الوضع القائم داخل المسجد، في ظل تفريغ الوصاية الأردنية من مضمونها وتقليص صلاحيات دائرة الأوقاف، ما جعل القرار والسيطرة بيد شرطة الاحتلال ودولته.
وأشار إلى أن منع الفلسطينيين عمومًا من الوصول إلى الأقصى أدى إلى انخفاض كبير في أعداد المصلين، ما أتاح للمستوطنين استباحة المسجد كما يشاؤون دون رادع.
وبيّن أن الاحتلال كثّف منظومة المراقبة عبر نشر مزيد من الكاميرات الذكية حول المسجد، القادرة على تمييز الصوت وتحديد هوية الأشخاص، بما يعزز من قبضة الاحتلال الأمنية ويساعده في إحكام السيطرة على كل حركة داخل الحرم.
وختم أبو دياب بأن هذه التطورات مجتمعة تنذر بمخاطر جسيمة على هوية المسجد الأقصى ومستقبله، داعيًا إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي عاجل لوقف المخطط التهويدي المتسارع، وحماية المسجد من محاولات فرض واقع لا يمكن القبول به.
محاولات الاقتلاع!
حذّر حسن خاطر، رئيس مركز القدس الدولي، من خطورة المتغيرات المتسارعة التي يشهدها المسجد الأقصى المبارك خلال العام الجاري، مؤكدًا أن حكومة الاحتلال الحالية، التي يقودها وزراء ينتمون إلى التيار الديني المتطرف مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، تعمل بشكل منهجي على إحداث تغييرات جوهرية في الحرم القدسي الشريف.
وقال خاطر لـ"الرسالة نت"، إن هذه الحكومة تُمعن في استهداف المسجد الأقصى، وتدفع نحو فرض وقائع تهويدية جديدة يومًا بعد يوم، مشيرًا إلى أن أبرز التطورات تمثلت في تزايد الاقتحامات في المناسبات الدينية وغير الدينية، وتحولها إلى استعراضات علنية تترافق مع أناشيد دينية وشعارات سياسية وشتائم للعرب والمسلمين.
وأوضح أن المستوطنين باتوا يمارسون خلال هذه الاقتحامات كل أشكال الشعائر المحظورة سابقًا، بما يشمل رقصات وغناء وسجود ورفع شعارات دينية وسياسية داخل باحات المسجد، في تجاوز غير مسبوق للوضع التاريخي والقانوني القائم.
وأضاف خاطر أن الجولات الاستفزازية للمقتحمين أصبحت تتجه مباشرة نحو الجزء الشرقي من المسجد الأقصى قرب باب الرحمة، الذي يحاول المستوطنون تكريسه كموقع مقدس لهم. وكشف أن عددًا من المستوطنين حاولوا مرارًا أداء طقوس دينية خلف سور المسجد قرب باب الرحمة من الخارج، وبالقرب من مقبرة الرحمة، في محاولة خطيرة لتحويل المكان إلى شبيه بـ"حائط المبكى" الخاص بهم.
وأشار إلى أن الاحتلال فشل على مدار سنوات طويلة في السيطرة على باب الرحمة من داخل المسجد، لذلك عاد هذا العام ليستأنف محاولاته من الخارج، عبر مساعٍ حثيثة لفتح الباب والسيطرة على محيطه، معتبرًا ذلك "تطورًا خطيرًا ما زالت محاولاته مستمرة ولم تتوقف".
ومن زاوية أخرى، أكد خاطر أن الاحتلال صعّد هذا العام من اعتداءاته على منبر المسجد الأقصى، إذ تم اعتقال عدد من خطباء الجمعة بشكل متواصل، بينهم مفتي القدس وخطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، وتحويلهم إلى المحاكم بتهمة "التحريض"، وهو ما وصفه بأنه "عدوان خطير على منبر ظل رمزًا عالميًا للمنابر الحرة".
وبيّن أن سلطات الاحتلال شددت قبضتها كذلك على أبواب المسجد ومداخله، حيث منعت مئات المصلين من الدخول في العديد من المناسبات، وأغلقت أبوابًا كاملة وتحكمت فيها بطريقة مباشرة، مما شكل انتهاكًا واضحًا لحق العبادة والوجود الإسلامي في المسجد.
وأكد خاطر أن هذه السياسات تكشف حجم المخاطر المتفاقمة التي تتصاعد يومًا بعد يوم، وسط غياب واضح للمواقف العربية والإسلامية التي يفترض أن تشكل حائط صد للدفاع عن المدينة المقدسة ومسجدها.
وتابع أن منظمة التعاون الإسلامي، التي تأسست بعد إحراق المسجد الأقصى عام 1969 خصيصًا لحمايته، تراجع دورها بشكل مؤسف، كما تراجع حضور الموقف العربي والإسلامي عمومًا، وهو ما يمنح — بحسب قوله — ضوءًا أخضر للاحتلال للاستمرار في تنفيذ مخططاته التهويدية دون رادع.
وختم خاطر بالتشديد على أن استمرار هذا الصمت سيؤدي إلى تدهور أكبر في وضع المسجد الأقصى، داعيًا إلى تحرك عربي وإسلامي عاجل يعيد الاعتبار لقضية القدس ويوقف التغوّل الإسرائيلي على الحرم القدسي الشريف.
محور استراتيجي!
أكد ناصر الهدمي، رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، أن مشروع تهويد المسجد الأقصى المبارك يمثل محورًا استراتيجيًا ثابتًا في عقلية الاحتلال، لا يتأثر بالتقلبات السياسية أو الظروف الميدانية، سواء في القدس أو في عموم فلسطين. وقال إن هذا المشروع يحظى بالأولوية القصوى لدى الحكومة الإسرائيلية، التي تعتبره — وفق وصفه — أهم مشاريعها الاستيطانية على الإطلاق.
وأوضح الهدمي لـ"الرسالة نت"، أن انشغال وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية بجرائم الحرب في قطاع غزة لا يعني أن مشروع تهويد الأقصى قد تراجع أو توقف، بل استمر بوتيرة عالية طوال شهور العدوان، مؤكدًا أن اقتحامات المسجد لم تتوقف لا في أوقات الحرب ولا في غيرها، وأن سلطات الاحتلال واصلت اعتداءاتها على المصلين، ومنعهم وإبعادهم عن المسجد، واستغلت كل الظروف لتسجيل مزيد من الخطوات التهويدية على الأرض.
وأشار إلى أن الاحتلال يصعد سنويًا من اقتحاماته، سواء في شهر رمضان أو خلال الأعياد اليهودية، حيث يأتي كل عام أكثر خطورة من سابقه، وهو ما يعكس مركزية هذا المشروع في أجندة الاحتلال الذي يسعى — بحسب قوله — للوصول إلى هدفه النهائي المتمثل في هدم المسجد الأقصى وبناء "الهيكل المزعوم" مكانه.
وكشف الهدمي أن الخطاب التهويدي لم يعد مقتصرًا على المسؤولين الإسرائيليين فحسب، بل بدأنا نسمع — كما قال — مسؤولين أميركيين يرددون أفكارًا مشابهة تتحدث عن "عدم ممانعة" في بناء الهيكل الثالث مكان المسجد الأقصى، في تطور وصفه بأنه شديد الخطورة ويكشف حجم الانحياز الدولي لمشروع الاحتلال.
وأضاف أن بعض الأصوات داخل الولايات المتحدة وإسرائيل تحاول ترويج رواية تزعم أن المسجد الأقصى "مكان لا يخص المسلمين"، وأن وجود المسلمين فيه هو "تدنيس لموقع يهودي مقدس"، وهو ما اعتبره انقلابًا خطيرًا على التاريخ والواقع والقانون الدولي، ويبرهن على أن الاحتلال يتحرك بخطوات متسارعة نحو فرض روايته الدينية تمهيدًا لتحقيق مخططاته.
ورغم خطورة هذه المساعي، قال الهدمي إنه لا يعتقد أن ما تبقى من عمر المشروع الاستعماري الإسرائيلي سيسمح بتحقيق هذا الهدف، مؤكدًا ثقته بأن الاحتلال لن يتمكن من الوصول إلى بناء الهيكل المزعوم. وختم بالدعاء أن يحفظ الله المسجد الأقصى وأهله المرابطين، وأن يحفظ الشعب الفلسطيني كله في مواجهة هذه المخاطر المتصاعدة.