مع نهاية عام 2025، يقف القطاع السياحي في غزة شاهدًا على أحد أعمق فصول الانهيار الاقتصادي والثقافي الذي خلّفته الحرب، بعد أن أُخرج قسرًا من دورة الحياة. وفي قطاعٍ محاصرٍ أصلًا، جاءت الحرب لتقضي على ما تبقّى من بنية سياحية كانت، رغم هشاشتها، تُشكّل متنفسًا للسكان ومصدرَ رزقٍ لآلاف العائلات.
تدمير ممنهج
تشير تقديرات رسمية إلى أن آلاف المنشآت المرتبطة بالقطاع السياحي في غزة، من فنادق ومطاعم ومتنزهات ومرافق ترفيهية ومقاهٍ بحرية، تعرّضت للتدمير الكلي أو الجزئي بفعل القصف الجوي والبري. ولم يقتصر الدمار على المباني فحسب، بل طال البنية التحتية الداعمة للسياحة، بما في ذلك الطرق، وشبكات المياه والكهرباء، والمناطق الساحلية التي كانت تمثّل المتنفس الوحيد لسكان القطاع.
وفي هذا السياق، قال معين أبو الخير، الناطق الرسمي باسم الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية في غزة، إن الحرب الإسرائيلية دمّرت القطاع السياحي بنسبة تصل إلى 97%، وبلغت قيمة أضراره نحو 3.9 مليار دولار.
وكشف أن أغلب المنشآت السياحية المدمّرة لم تعد صالحة لاستقبال الزوار، موضحًا أن صواريخ الاحتلال دمّرت 4992 منشأة سياحية، من بينها 3450 منشأة في نشاط المطاعم وتقديم المشروبات، و921 منشأة في الأنشطة الإبداعية والفنون، و182 منشأة في صناعة وبيع منتجات الحرف اليدوية والهدايا التذكارية، و173 منشأة في أنشطة الفنادق والإقامة والمنشآت المشابهة.
وأشار إلى تدمير 22 فندقًا بشكل كامل، و17 منتجعًا سياحيًا، وأكثر من 212 مطعمًا بشكل كلي، إضافة إلى تدمير 439 شاليهًا سياحيًا، و83 صالة أفراح ومناسبات، فضلًا عن تدمير جميع المنشآت السياحية الترفيهية والاستراحات الشاطئية ومدن الألعاب.
وأكد أبو الخير أن القطاع السياحي يُعد أحد القطاعات الاقتصادية المهمة التي شكّلت ركيزة في تحريك القطاعات الأخرى، داعيًا إلى تدخلات عاجلة لإعادة بنائه وتعويض المنشآت والفنادق التي دُمّرت جراء الحرب. كما شدد على أن أكثر من 15 ألف عامل فقدوا وظائفهم في مجال السياحة.
وأدّى انهيار النشاط السياحي إلى فقدان آلاف العاملين مصادر دخلهم، من عمال الفنادق والمطاعم إلى المرشدين والعاملين في الأنشطة الترفيهية والخدمية المرتبطة بالسياحة. ومع انعدام البدائل الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، تحوّل فقدان هذه الوظائف إلى عبء اجتماعي إضافي، فاقم من حدة الفقر وانعدام الأمن المعيشي.
المواقع الأثرية… ذاكرة تحت الركام
لم تسلم المواقع الأثرية والتراثية في غزة من الاستهداف، إذ تعرّض عدد كبير منها لأضرار جسيمة، ما يشكّل خسارة مضاعفة تطال الهوية الثقافية والتاريخية للقطاع. وكانت هذه المواقع، رغم محدودية السياحة الخارجية، تمثّل عنصر جذب ثقافي وتعليمي، ورافعة محتملة لأي نهوض سياحي مستقبلي.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور حمودة الدهدار، مدير دائرة المواقع والتنقيب في وزارة السياحة والآثار، إن دمارًا هائلًا لحق بالمواقع والمباني الأثرية في قطاع غزة جرّاء العدوان، مؤكدًا أن عدد المواقع المدمّرة كليًا وجزئيًا بلغ نحو 316 موقعًا أثريًا.
وأوضح الدهدار لـ**«الرسالة»** أن من أبرز هذه المواقع: المسجد العمري الكبير، وقصر الباشا، وحمام السّمرا، وسباط العلمي، وكنيسة برفيريوس، ومسجد الظفردمري، ومسجد ابن عثمان، إلى جانب عشرات المساجد والمباني التاريخية التي تعود إلى العهدين المملوكي والعثماني.
وأشار إلى أن هذه المعالم ليست مجرد مبانٍ تاريخية، بل تحمل قيمة دينية وثقافية واجتماعية عميقة لدى الشعب الفلسطيني، وتمثّل شاهدًا حيًا على تاريخ الفلسطينيين وحضارتهم وارتباطهم بأرضهم عبر العصور.
وفيما يتعلق بالمقتنيات الأثرية، ذكر الدهدار أن أغلب القطع الثمينة كانت محفوظة في متحف قصر الباشا، لكنها اختفت بالكامل بعد اجتياح الاحتلال للبلدة القديمة في غزة وتدميره المتحف، موضحًا: «بعد انسحاب قوات الاحتلال وبحثنا بين الركام، لم نعثر على أي قطعة أثرية».
ولفت إلى أن المتحف كان يضم أكثر من 20 ألف قطعة أثرية تعود لفترات تاريخية ممتدة من ما قبل الميلاد وحتى العصر العثماني.
وحول جهود إعادة الإعمار، أوضح الدهدار أن ترميم المواقع الأثرية يُعد بالغ الصعوبة حاليًا بسبب منع الاحتلال إدخال مواد البناء اللازمة، مبينًا أن الوزارة تعمل على تنفيذ إسعافات أولية عاجلة لبعض المواقع، إلى جانب السعي لجلب مشاريع دولية متخصصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وأكد أن الوزارة تكثّف تواصلها مع المؤسسات المحلية والدولية للحفاظ على ما تبقّى من التراث الغزي، وترميم المباني الأثرية المتضررة بفعل القصف المتواصل. ووفق الدهدار، تُقدَّر كلفة إعادة إعمار المباني الأثرية المدمّرة في قطاع غزة بنحو 50 مليون دولار، في ظل الحاجة الماسّة إلى خطط حماية عاجلة تحول دون اندثار المزيد من الإرث التاريخي.
حتى نهاية عام 2025، يبدو المشهد السياحي في غزة أقرب إلى «قطاع خارج الخدمة»، في ظل غياب أي مؤشرات على تعافٍ قريب. ومع استمرار تبعات الحرب، تبقى السياحة في غزة شاهدًا إضافيًا على حجم الخسارة التي لحقت بكل مفاصل الحياة، وقطاعًا آخر أُخرج قسرًا من معادلة الاقتصاد.