قائمة الموقع

عندما تحوّل الحديد إلى بنفسجي

2025-12-31T07:06:00+02:00
رامي خريس

 

في مثل هذا اليوم أواخر ديسمبر/كانون الأول 2004، حين كان البرد يلفّ أطراف خان يونس، زحفت دبابات الاحتلال الإسرائيلي ببطءٍ ثقيل نحو أطراف حيّ الأمل، تحت غطاء ناري كثيف من رشاشاتٍ ثقيلة، نصبتها قوات الاحتلال في دُشم مواقعها العسكرية التابعة لمقر قيادتها في مستوطنة "نفيه دكاليم" غرب المدينة.

في السماء، كانت الطائرات المُسيّرة تحوم بلا توقف، محمّلةً بالقذائف الصاروخية، تبحث عن هدفٍ ما… عن لحظة اشتباك ستأتي حتمًا. ولم يطل الانتظار.
منذ اللحظات الأولى، هبّ أحد أبطال المقاومة لمواجهة الحديد المتقدّم. كان الش/هيد سامي أبو خضير، فتىً يافعًا لم يبلغ العشرين بعد، من أوائل من تقدّموا للتصدّي للقوة المتوغلة. حمل عبوةً ناسفة، وتقدّم بثبات نحو الآليات العسكرية، لكن طائرة مُسيّرة باغتته بصاروخٍ مباشر، ليرتقي إلى العلا ش/هيدًا، مُعلنًا بدمه بداية مواجهةٍ جديدة.

هكذا افتُتح عدوان الاحتلال الذي أطلق عليه اسم عملية "الحديد البنفسجي".

وفق ما أعلنه جيش الاحتلال آنذاك، وروّجت له وسائل الإعلام العبرية، جاء هذا العدوان في إطار استهداف المقاومة الفلسطينية التي أثقلت كاهل الاحتلال ومستوطنيه في المستوطنات المحيطة بخان يونس، نتيجة القصف المتواصل بقذائف الهاون من المناطق القريبة جدًا من تلك المستوطنات، والتي كانت تُعرف حينها بـ"المناطق الصفراء"، قبل اندحار الاحتلال عن قطاع غزة عام 2005.

لكن "الحديد البنفسجي" لم يكن العدوان الأول. فقد سبقه، في منتصف الشهر نفسه، عدوان آخر حمل اسم "الحديد البرتقالي"، وأسفر عن استشهاد ثمانية شبّان. ومع تغيّر الألوان، ظلّ الحديد واحدًا… آلة قتلٍ لا تعرف إلا الدمار.

في عدوانه الجديد، توغّل الاحتلال جزئيًا في غرب حي الأمل وشماله، مصحوبًا بقصفٍ عنيف لمنازل المواطنين، وسلسلة اغتيالات مباشرة، أدّت إلى استشهاد اثني عشر مقاومًا ومواطنًا.

كان من بينهم القائد يحيى أبو بكرة، والقائدان الميدانيان في كتائب القسام خالد أبو عودة ومحمد خريس. ففي فجر اليوم الثالث للعدوان، حاول الشهيدان استهداف إحدى دبابات الاحتلال بقذيفة "آر بي جي"، لكن طائرة مُسيّرة باغتتهما بصاروخٍ غادر. 

أصاب الصاروخ وجه محمد مباشرة، فارتقى شهيدًا في المكان، فيما أُعلن عن استشهاد خالد بعد دقائق من نقله إلى المستشفى.

لم يكن استشهاد محمد حدثًا عابرًا في سياق الدم. فقد كان قد أنهى قبل يومين فقط تجهيز بيت عزاء الشهيد سامي أبو خضير، بصفته مسؤول جهاز العمل الجماهيري في حي الأمل. وكأن القدر شاء أن يجمعهم تباعًا، سامي ومحمد وخالد، في موكب شهادةٍ واحد.
ثلاثة أسماء، ومسار واحد… مقاومون أذاقوا الاحتلال، ومعهم رفاقهم، لهيب قذائف الهاون وشظايا صواريخ القسام، وكتبوا فصلًا من فصول الصمود، قبل أن يُجبَر الاحتلال على الاندحار عن غزة بعد أشهر قليلة، في النصف الثاني من عام 2005.

اخبار ذات صلة