يشكّل عام 2025 محطة مفصلية في تاريخ الصراع على الأرض في الضفة الغربية، بعدما كرّسته الحكومة الإسرائيلية المتطرفة عامًا للاستيطان والضمّ وفرض السيادة الأحادية؛ في ظل تسارع السياسات التي تستهدف تغيير البنية الجغرافية والديمغرافية للضفة، عبر توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر الرعوية، وتفكيك منظومة الإدارة الفلسطينية للأراضي، في مسار مدروس يقوّض بشكل كامل إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
هذا العام شهد أعلى معدلات العنف الاستيطاني، وأوسع عملية مصادرة للأراضي، إلى جانب تشريعات حكومية واضحة تُنهي فعليًا أي حديث عن حلّ الدولتين، وتحوّل الضفة إلى كانتونات محاصرة تُدار بمنطق القوّة والضمّ، بما يترك آثارًا كارثية على مستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.
عام الاستيطان
من جهته؛ أكد الخبير في شؤون الاستيطان نظمي سلمان أنّ القرارات الاستيطانية المتتالية التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية خلال عام 2025 تأتي في إطار العام المعلن للضمّ والتهجير وفرض السيادة، توازيًا مع حرب الإبادة المستمرة ضد الفلسطينيين.
وأوضح سلمان لـ"الرسالة نت"، أنّ هذه السياسات تترافق مع منظومة تشريعات حكومية تهدف إلى تعزيز الاستيطان وتغيير الحقائق على الأرض، بما يمنع نهائيًا قيام دولة فلسطينية.
وقال سلمان إن القرارات الأخيرة تستند إلى رؤية حكومية متطرفة تعمل على تمكين جماعات المستوطنين من الاستيلاء على مساحات واسعة عبر ما يسمى الاستيطان الرعوي، وهو النهج الذي أنتج موجات عنف متصاعدة ضد الفلسطينيين. وأشار إلى أن الحكومة أقرت خطة خمسية مخصّصة لتمويل مشاريع استيطانية هائلة خلال السنوات الخمس المقبلة، تتضمن تطوير مستوطنات قائمة وتوسعتها، إضافة إلى إقامة مستعمرات جديدة تمتد مساحاتها بشكل غير مسبوق.
وكشف سلمان أن هناك 36 بؤرة استيطانية رعوية قيد الدراسة والتنظيم، يجري العمل على شرعنتها. كما يجري الحديث في الإعلام الإسرائيلي عن رصد نحو 2.7 مليار دولار لتمويل بنية تحتية ضخمة في عمق الضفة، تشمل نقل مقر قيادة لواء "منشيه" إلى قواعد عسكرية جديدة شمال الضفة، وتحديدًا قرب بلدة صانور جنوب جنين. وذكر أن وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش زار المنطقة المخلاة وهو يرفع شعارات “الموت للعرب”، في مؤشر خطير على طبيعة المرحلة.
وأضاف سلمان أن الحكومة تعمل على إنشاء دائرة طابو إسرائيلية لتسجيل الأراضي بشكل مباشر لصالح المستوطنين، وإلغاء اختصاص هيئة تسوية الأراضي والمياه الفلسطينية بالكامل. وأوضح أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام عمليات تزوير قانونية لنقل الملكية، وتسمح بالاستيلاء على الأرض قبل أن يتمكن أصحابها من الاعتراض.
وأشار إلى أن السياسة الأكثر خطورة تتمثل في فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، بالتوازي مع زيادة غير مسبوقة في حجم التوسع الاستيطاني. وبيّن أن سموتريتش أعلن خلال 2025 عن خطة تتضمن 30 ألف وحدة استيطانية جديدة، بينما يجري تمرير ميزانيات طائلة لتسريع عمليات البناء والهدم، حيث تم تسجيل هدم أكثر من 1000 منزل فلسطيني خلال العام، معظمها في المناطق القريبة من البؤر الرعوية ومواقع التوسع الاستيطاني.
ولفت إلى أن أسلوب الاستيلاء يبدأ عادة بنصب خيمة ثم تحويلها إلى بؤرة استيطانية، قبل دمجها في توسع أكبر أو إقامة هيكل ثابت. وأضاف أن الاحتلال بات يسيطر فعليًا على 14.6% من أراضي الضفة الغربية عبر هذه البؤر والطرق الالتفافية والمستوطنات، فيما تسجّل 19.2% من مجمل الاعتداءات المرتكبة يوميًا ضد الفلسطينيين على يد المستوطنين.
وأوضح سلمان أن الأراضي الفلسطينية أصبحت “مستباحة بالكامل” أمام اعتداءات المستوطنين، خاصة منذ أكتوبر، حيث تستغل الحكومة حالة هندسة التجويع المفروضة على الفلسطينيين لفرض وقائع جديدة على الأرض، ضمن سياسة تهدف إلى تفريغ الضفة من سكانها وإكمال مشروع الضم.
وختم سلمان بأن العام 2025 ليس مجرد عام للتوسع الاستيطاني، بل هو نقطة تحوّل خطيرة في مسار الضمّ، يضع الضفة أمام واقع استعماري جديد يمنع قيام دولة فلسطينية، ويفرض نظامًا من السيطرة الإسرائيلية الشاملة على الأرض والموارد والسكان.
زيادة مضطردة
بدوره؛ أكّد د. عبد الناصر مكي أستاذ قانون الإدارة العامة بجامعة بيرزيت، وخبير في شؤون الاستيطان في الضفة الغربية أنّ مصادقة ما يسمى المجلس الأعلى للتخطيط والبناء مؤخرا؛ في حكومة الاحتلال على إقامة 764 وحدة استيطانية جديدة في عدد من مستوطنات الضفة الغربية، مثلت ذروة التهديد التهويدي ضمن السياسة التوسعية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية لنهب الأرض وفرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية.
وأوضح مكي لـ"الرسالة نت"، أنّ الحكومة الإسرائيلية المتطرفة ماضية في تنفيذ مشروع استيطاني واسع يستهدف زيادة المستوطنات وربط التجمعات الاستيطانية ببعضها، بهدف خنق التجمعات الفلسطينية ودفعها للانكماش.
وأضاف أن الضفة تشهد تصاعدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين، بما في ذلك عمليات خطف للفلاحين والمواطنين، في ظل حماية حكومية مباشرة "حتى بات المستوطنون والحكومة في خندق واحد".
وأشار إلى أنّ عامي 2025–2026 يشهدان ذروة جديدة في مشاريع الضم، خاصة بعد ما جرى في غزة من حرب إبادة، إذ أصبحت مطالب المستوطنين بالضم من أولويات الحكومة، بينما يجري تنفيذ مخططات واسعة "بعيدًا عن ضوضاء الإعلام"، تشمل عشرات المستوطنات الجديدة، إضافة إلى 300 بؤرة استيطانية في الأغوار، و17 مستوطنة زراعية، و29 مستوطنة جديدة أُقرت في السنوات الأخيرة.
وتوقف مكي عند التوسع الكبير في مستوطنة سامور التي تحولت إلى معسكر استيطاني ضخم، إضافة إلى خمسة تجمعات استيطانية زراعية في جنين، حيث يجري العمل على العودة للمنطقة وتكريس الوجود الاستيطاني فيها. وقال إن كل ما ورد في اتفاقية أوسلو "انتهى فعليًا"، وإن الاحتلال يدشن مرحلة جديدة تُسمّى عام المستوطنات الإسرائيلية.
وبيّن أن التوجه الحالي يشمل توسيع المستوطنات في مناطق مسافر يطا جنوب الخليل، وفي محيط رام الله تحديدًا بين المغير وترمسعيا، إلى جانب مناطق واسعة في الأغوار ونابلس وطوباس وعين شبلي وعاطوف. وأكد أن هذه المناطق تشكل "الخاصرة الفلسطينية الحيوية" وأن السيطرة عليها تهدف لمنع قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
وأضاف أن مساحة الضفة البالغة نحو 5,700 كم² تتعرض لعملية ابتلاع ممنهجة، إذ تشكل المناطق المصنفة (C) نحو 65% من الضفة، وتسعى إسرائيل لضمّها وفصلها عن المناطق المصنفة (A) و(B)، وإبقاء التجمعات الفلسطينية محصورة داخل المدن الرئيسية. وأشار إلى أن الجدار القرمزي والحواجز الجديدة، بينها حاجز عسكري بطول 22 مترًا وعرض 50 مترًا، يلتهم مئات الدونمات من الأراضي.
وأكد مكي أنّ خطط الضم الإسرائيلية القديمة منذ العام 1967، بما فيها مخطط ألون، تركزت دائمًا على السيطرة على الأغوار كمنطقة استراتيجية، وتشمل اليوم مناطق جنوب شرق نابلس، الدجن، أريحا، العوجا، وغيرها، بهدف فصل الضفة عن الأردن وجعلها بلا عمق جغرافي.
وفيما يتعلق بالقدس، أوضح أن الاحتلال يعمل على تطويقها بمستوطنات ضخمة مثل جيلو ومعاليه أدوميم، إضافة إلى جسور وممرات تفصلها عن الضفة الغربية، بحيث تبقى معزولة بالكامل عن محيطها الفلسطيني. وأشار إلى آلاف المنشآت التي تقيمها إسرائيل لتقسيم الضفة إلى "كانتونات" معزولة، لا يمكن التنقل بينها إلا بوجود تصاريح خاصة، في ظل وجود أكثر من 900 حاجز عسكري ثابت ومئات الحواجز الطيارة والطرق الالتفافية.
وشدد مكي على أن هذه السياسات تترك الفلسطينيين أمام "بطالة مقنّعة" وارتفاع في أعداد العاطلين عن العمل، بينهم 50 ألف خريج جامعي سنويًا، مما يدفع نحو الهجرة القسرية تحت الضغط، وهو ما يسميه الاحتلال "نهاية الضفة".
وكشف أن وتيرة الاستيطان ارتفعت بنسبة 30% منذ 7 أكتوبر، مؤكدًا أن الضفة الغربية ليست بمعزل عن حرب الإبادة في غزة، بل تشكل عنوانًا مركزيًا في مشروع الضم والتهجير. كما توقع في عام 2026 زيادة غير مسبوقة في أعداد الوحدات الاستيطانية، في ظل صمت المجتمع الدولي وتراجع المحظورات التي كانت تكبح التوسع الاستيطاني.
واعتبر أن فترة ما بعد ترامب شهدت "تحررًا إسرائيليًا كاملًا" من أي التزام بوقف الاستيطان، وأن الأحزاب اليمينية المتطرفة، وخصوصًا حزب "القوة الصهيونية" – كهانا، تستخدم ملف الاستيطان كعنوان رئيسي للمنافسة الانتخابية المقبلة، عبر زيادة الوحدات الاستيطانية وتقديمها للجمهور الإسرائيلي كإنجاز سياسي وأمني.
وختم مكي بتأكيد أن التوسع الاستيطاني الحالي ليس إجراءات متفرقة، بل مشروع استراتيجي متكامل يستهدف إنهاء الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية وتحويلها إلى معازل محاصرة تمهيدًا لضمّها بالكامل.
الأكثر تصعيدا
أكد الباحث في شؤون الاستيطان جمال جمعة أن عام 2025 يُعدّ العام الأكثر تصعيدًا في تاريخ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، إذ شهد استكمالًا لوتيرة متسارعة من تكثيف الاستيطان والسيطرة على الضفة الغربية، في إطار مخطط ممنهج يهدف إلى الضمّ وحسم ملف الأرض بشكل نهائي.
وقال جمعة لـ"الرسالة نت"، إن هذا العام تميز بإعلان الاحتلال عن 51 ألف وحدة استيطانية جديدة، وهو رقم غير مسبوق يعادل حجم مدن كاملة، ويعكس حجم الهجوم على التجمعات الفلسطينية.
وأوضح جمعة أن التهجير القسري بلغ ذروته خلال 2025، حيث جرى تهجير نحو 75 تجمعًا فلسطينيًا من الأغوار، ضمن سياسة واضحة لإفراغ المنطقة من سكانها. وأضاف أنّ موسم قطف الزيتون لهذا العام كان "الأكثر دموية"، فقد قطع المستوطنون 1200 شجرة زيتون وأحرقوا المئات، إلى جانب تسجيل 4 آلاف هجوم شنها المستوطنون والجيش ضد قاطفي الزيتون والقرى الفلسطينية، ما يعكس "حربًا مفتوحة ومعلنة على الشعب الفلسطيني" تمتد من الضفة إلى غزة.
وبيّن جمعة أن ما تريده إسرائيل واضح: ضمّ الضفة الغربية وتنفيذ مخطط استراتيجي يجري تطبيقه منذ سنوات بوتيرة متواصلة. وكشف أن الاحتلال بدأ فعليًا بتطبيق الطابو الإسرائيلي بعد إلغاء قانون الطابو الفلسطيني، وهو ما يعني أن نحو 70% من الضفة أصبح قيد الضم القانوني والإداري، في ظل حرب تُخاض على كل المستويات: القانونية، العسكرية، الإدارية، والميدانية، تقودها مجموعات المستوطنين التي تشكل رأس الحربة في الاعتداءات، وحرق الأشجار، والهجوم على التجمعات، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.
وأفاد أن عمليات الهدم تتواصل بوتيرة عالية، خصوصًا في مسافر يطا والعديد من التجمعات الزراعية جنوب الضفة، حيث تتعمد سلطات الاحتلال التحكم في البناء والتوسع ومنع الفلسطينيين من تطوير مساكنهم أو ممتلكاتهم. واعتبر أن هذا النهج جزء من سياسة ممنهجة طويلة الأمد تهدف إلى هندسة ديمغرافية في القدس والضفة، تقوم على تقليل عدد الفلسطينيين مقابل زيادة أعداد المستوطنين عبر جلب المزيد منهم.
وأشار جمعة إلى أن الضفة الغربية تقترب من ما يسميه الاحتلال "دولة المليون مستوطن"، إذ جرى تهيئة البنية التحتية للوصول إلى هذا الرقم. لكنه شدد على أن الأخطر من ذلك هو هندسة الجغرافيا ذاتها عبر السيطرة على مصادر المياه، والأراضي الزراعية والرعوية، وتدمير الاقتصاد الفلسطيني الاستراتيجي، مما يؤدي إلى محاصرة الوجود الفلسطيني بالكامل.
وبيّن أن مأسسة المشروع الاستيطاني الكولونيالي تجري اليوم عبر توسع المستوطنات والبؤر، وتطوير بنية تحتية ضخمة، والجدار، بما يفرض واقعًا لا يمكن إزالته مستقبلًا، ويجعل الفلسطينيين محاصرين داخل جيوب معزولة. وأكد أن ما يحدث في الضفة هو مشروع إحلالي صهيوني، يشبه تمامًا ما يجري داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وهو امتداد لسياسة مستمرة منذ 77 عامًا لم تتغير جوهرًا، بل تفاقمت في السنوات الأخيرة مع الحكومة اليمينية المتطرفة، رغم أن من أسّس المشروع تاريخيًا هو حزب العمل الإسرائيلي.
وكشف جمعة أن الاحتلال بدأ مؤخرًا بتنفيذ أكبر مشروع استيطاني في وسط الضفة الغربية، يمتد من بلدات قريوت، الساوية، واللبن الشرقية، ليتوسع نحو قرى أخرى عديدة، في إطار إقامة "أكبر حلقة استيطانية" لم تشهدها الضفة من قبل، تُنفذ بشكل متطرف تحت إشراف الحكومة الإسرائيلية وتنفيذ عصابات المستوطنين.
وختم جمعة بأن ما يجري في عام 2025 يرقى إلى مرحلة جديدة من المشروع الاستيطاني تهدف إلى إغلاق ملف الضفة نهائيًا، وتثبيت واقع الجغرافيا الاستيطانية، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في الأرض والدولة، عبر ضمّ تدريجي أصبح الآن أكثر علنية ومباشرة من أي وقت مضى.