قائمة الموقع

صناعة الفخار في غزة: حرفة تقاوم الغياب

2026-01-01T17:42:00+02:00
الرسالة نت - خاص

تعيش صناعة الفخار في قطاع غزة اليوم واحدة من أكثر مراحلها هشاشة منذ نشأتها، بعدما تحولت من نشاط حرفي مستقر نسبيًا إلى محاولة يومية للبقاء في ظل واقع تتداخل فيه الخسائر المادية مع الانقطاع شبه الكامل لمقومات العمل. هذه الحرفة، التي ارتبطت طويلًا بالحياة اليومية والبيوت الفلسطينية، باتت تواجه خطر التراجع والاختفاء مع استمرار تدمير البنية التحتية وغياب الموارد الأساسية.

لسنوات طويلة، شكّلت ورش الفخار مساحة عمل تعتمد على مزيج من الخبرة المتوارثة والتقنيات الحديثة، الأمر الذي سمح بمرونة في الإنتاج وقدرة على تلبية الطلب المحلي، بل والوصول إلى أسواق خارجية. إلا أن الحرب قلبت هذا المشهد رأسًا على عقب، إذ فقدت الورش معداتها، وتضررت مواقع الإنتاج، وانقطع التيار الكهربائي الذي كانت تعتمد عليه الماكينات في المراحل الأكثر أهمية، خاصة في عجن الطين وتسريع دورة العمل.

مع هذا الانقطاع، وجدت صناعة الفخار نفسها مجبرة على العودة إلى الأساليب اليدوية القديمة، حيث أصبح العامل يعتمد بشكل كامل على الجهد البدني في تنفيذ مراحل كانت تُنجز سابقًا خلال وقت قصير. هذا التحول لم يؤثر فقط على سرعة الإنتاج، بل أعاد تشكيل طبيعة العمل نفسها، إذ باتت كل قطعة فخارية تتطلب ساعات طويلة من الجهد المتواصل، ما زاد من الإرهاق الجسدي ورفع كلفة الإنتاج في الوقت ذاته.

في قلب هذه العملية، تبرز مرحلة الإنتاج بوصفها التحدي الأكبر، حيث تقلّصت القدرة اليومية على التصنيع بشكل ملحوظ. وفي هذا السياق، يقول أحمد عطا الله، أحد العاملين في حرفة الفخار، إن “العمل الذي كان ينجزه عاملان فقط قبل الحرب، أصبح اليوم بحاجة إلى نحو عشرة عمال، موزعين على مهام شاقة تبدأ من نخل الطين وعجنه، مرورًا بتشكيل الأواني يدويًا، وصولًا إلى إدخالها الأفران”، موضحًا أن غياب الماكينات أجبر الحرفيين على بذل جهد مضاعف دون مقابل إنتاجي مماثل.

ويضيف عطا الله في حديثه عن حجم الإنتاج: “الطاقة الإنتاجية تراجعت بشكل حاد، فلم نعد قادرين على الوصول حتى إلى ربع أو ثلث ما كنا ننتجه سابقًا، إذ لا يتجاوز الإنتاج اليومي حاليًا نحو 200 قطعة فقط”، مشيرًا إلى أن هذا التراجع يأتي في وقت يشهد فيه السوق المحلي نقصًا حادًا في الأواني وأدوات الطهي، ما يخلق فجوة واضحة بين العرض والطلب.

ولا تتوقف الصعوبات عند حدود الجهد البشري، إذ تواجه هذه الصناعة أزمة حقيقية في توفير المواد الخام. يعتمد الفخار في غزة على نوع محدد من الطين يُجلب من مناطق شمال القطاع، وهي مناطق بات الوصول إليها شبه مستحيل. ومع انقطاع هذا المصدر، اضطرت الورش القليلة المتبقية إلى الاعتماد على مخزونات قديمة تم الاحتفاظ بها قبل الحرب، وهي كميات محدودة تهدد بنفاد قريب، ما يضع استمرار الإنتاج أمام خطر التوقف الكامل.

وتُعد مرحلة عجن الطين من أكثر المراحل إرهاقًا، حيث تستغرق ساعات طويلة من العمل المتواصل باستخدام الأقدام، دون توقف، لضمان تجانس المادة وصلاحيتها للتشكيل. هذه العملية كانت تُنجز سابقًا خلال وقت قصير باستخدام الماكينات، إلا أن فقدانها أعاد العمل إلى نمط بدائي يستهلك الوقت والجهد ويزيد من احتمالات التلف والهدر.

أما عملية الحرق داخل الأفران التقليدية، فتُعد مرحلة دقيقة وحساسة تمتد لعدة أيام، تبدأ بإشعال نار خفيفة ثم رفع درجة الحرارة تدريجيًا حتى تصل إلى مستويات عالية. وتتطلب هذه المرحلة كميات كبيرة من مواد الوقود، التي ارتفعت تكلفتها بشكل ملحوظ، ما يشكل عبئًا إضافيًا على أصحاب الورش، خاصة في ظل غياب أي دعم رسمي أو مؤسسي يمكن أن يخفف من حدة هذه التكاليف.

ويضاف إلى ذلك العمل في أماكن مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من الحماية من العوامل الجوية، ما يجعل الإنتاج عرضة للتلف في أي لحظة. وقد أدت الأمطار الأخيرة إلى خسائر واسعة، بعدما تسببت بتلف كميات من الطين المشكّل، ما أجبر العاملين على إعادة العمل من نقطة الصفر، وتحمّل خسائر إضافية في الوقت والجهد والأجور.

ورغم هذا الواقع القاسي، لا تزال صناعة الفخار تحاول الصمود، ليس فقط باعتبارها مصدر رزق لعدد محدود من العمال، بل بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية والتراثية للمجتمع الفلسطيني. فاستمرارها اليوم يعتمد على إصرار الحرفيين أنفسهم، الذين يتمسكون بهذه المهنة رغم غياب البدائل، في محاولة للحفاظ على حرفة مهددة بالاندثار، ولإبقاء الطين شاهدًا على قدرة الإنسان على الاستمرار حتى في أقسى الظروف.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00