منذ ستة أسابيع، تختبر سيدة اسمها توتا خوجة حدود الجسد والكرامة داخل زنزانة بريطانية باردة.
شابة في أواخر العشرينيات من عمرها، اختارت أن تمتنع عن الطعام، كطريق أخير في مواجهة احتجاز طويل قبل المحاكمة، واتهامات تصرّ عائلتها ومحاموها على أنها ذات طابع سياسي أكثر منها جنائي.
فقدان حاد في الوزن، دوار دائم، ضعف متزايد في الحركة، وإرهاق يجعل الوقوف بحد ذاته تحديًا.
ومع دخول الإضراب أسبوعه السادس، أصبحت المخاوف أكثر جدية، فهذه المرحلة، وفق تقديرات طبية، شديدة الخطورة وقد تفضي إلى مضاعفات لا يمكن تداركها.
عائلة توتا لا تخفي قلقها؛ تقول إن ابنتهم قد لا تحتمل أسابيع أخرى، بينما تواصل السلطات البريطانية احتجازها، مكتفية بتقارير طبية دورية داخل السجن، وسط مطالبات متصاعدة بالإفراج عنها بكفالة أو إخضاعها لإشراف طبي مستقل.
اعتقال توتا جاء على خلفية نشاطها المؤيد للقضية الفلسطينية، وارتباطها بالدائرة المحسوبة على حركة «فلسطين أكشن»، وهي حركة بريطانية تأسست عام 2020، واشتهرت بأسلوب العمل المباشر ضد الشركات والمصانع المرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية.
ترى الحركة أن دورها يتمثل في تعطيل البنية الاقتصادية الداعمة للحرب، وفضح ما تعتبره تواطؤًا حكوميًا في تصدير السلاح والتكنولوجيا العسكرية، وتؤكد أنها تعتمد العصيان المدني غير المسلح وسيلةً للاحتجاج.
في المقابل، تصنّف السلطات البريطانية أنشطتها ضمن إطار التخريب الجنائي وتهديد الأمن، وهو توصيف فتح الباب أمام ملاحقات قضائية واسعة.
خلال عامي 2024 و2025، تزامنًا مع تصاعد الحرب على غزة، شهدت بريطانيا موجة اعتقالات طالت ناشطين وناشطات على صلة بالحركة. تقارير إعلامية وحقوقية تحدثت عن احتجازات مطوّلة دون محاكمة، وعن توجيه تهم ثقيلة تتعلق بالأمن القومي لأشخاص شاركوا في أنشطة احتجاجية.
ومع اتساع دائرة الاعتقال لتشمل من يعلن دعمًا علنيًا للحركة أو يرفع شعاراتها، وجد عدد من المعتقلين أنفسهم أمام خيار الإضراب المفتوح عن الطعام، احتجاجًا على ما يصفونه بالاحتجاز التعسفي والمعاملة غير العادلة.
توتا واحدة من ستة مضربين عن الطعام، بعضهم تجاوزوا أربعين يومًا دون غذاء، وتحدثت تقارير صحفية عن نقل عدد منهم إلى المستشفيات بعد تدهور حاد في مؤشراتهم الصحية.
المخاوف لم تعد نظرية؛ فاستمرار الإضراب يرفع احتمالات الفشل الكلوي أو السكتات القلبية. مطالبهم واضحة: الإفراج بكفالة بدل الحبس المطوّل قبل المحاكمة، ثم وقف استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في ملاحقة النشاط السياسي الداعم لفلسطين، وضمان رعاية طبية مستقلة وإنسانية داخل السجون.
تختصر قصة توتا خوجة هذا المشهد المعقّد كله: ناشطة شابة، مؤيدة لفلسطين، تحوّلت إلى رقم في ملف أمني، وجسدٍ يذبل بصمت خلف القضبان.
ثم جاء توتا ورفاقها ليجعلوا ملف التضامن مع فلسطين اختبارًا حقيقيًا لمعنى حرية التعبير ومعايير العدالة وحقوق الإنسان في بلد يرفع شعارات الديمقراطية!