قائمة الموقع

يحيى عياش.. المهندس الذي غيّر معادلات الصراع وترك بصمته في سلاح المقاومة

2026-01-05T20:07:00+02:00
الرسالة نت - متابعة خاصة

في الذكرى الثلاثين لاغتيال القائد في كتائب عز الدين القسام، المهندس يحيى عبد اللطيف عياش، يعود اسمه إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز العقول التي غيّرت مسار العمل المقاوم الفلسطيني.
 فبعد ثلاثة عقود على استشهاده في الخامس من يناير/كانون الثاني 1996، إثر عملية اغتيال نفذها الاحتلال الإسرائيلي عبر هاتف نقال مفخخ شمالي قطاع غزة، لا يزال "المهندس" حاضرًا في الذاكرة الوطنية وفي معادلات الصراع، رمزًا للابتكار المقاوم والرجل الذي نقل المواجهة مع الاحتلال إلى مرحلة غير مسبوقة.
يُعدّ يحيى عبد اللطيف عياش، المعروف بلقب “المهندس”، أحد أبرز القادة والمؤسسين في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأحد أكثر الشخصيات التي شكّلت تحوّلًا نوعيًا في مسار العمل المقاوم خلال تسعينيات القرن الماضي. 
ارتقى عياش شهيدًا في الخامس من يناير/كانون الثاني عام 1996، بعد أن اغتاله الاحتلال الإسرائيلي عبر هاتف نقال مفخخ، في عملية اعتُبرت آنذاك اختراقًا أمنيًا خطيرًا، لكنها لم تُنهِ أثر الرجل ولا حضوره في الوعي المقاوم الفلسطيني.
"المهندس" الرجل ذو الألف وجه
وُلد يحيى عياش في السادس من مارس/آذار عام 1966، في بلدة رافات غرب سلفيت شمالي الضفة الغربية، ونشأ في بيئة فلسطينية مشبعة بروح المقاومة. التحق بجامعة بيرزيت وتخرج في كلية الهندسة، قسم الهندسة الكهربائية عام 1988، ليبدأ مسارًا علميًا سرعان ما تداخل مع مسار نضالي، شكّل لاحقًا علامة فارقة في تاريخ الصراع مع الاحتلال.
لم يكن لقب "المهندس" توصيفًا أكاديميًا فحسب، بل أصبح هوية كاملة ارتبطت باسم عياش. فقد برع في تطوير العبوات الناسفة اعتمادًا على مواد أولية متوفرة محليًا، في ظل حصار وملاحقة أمنية خانقة، ما أظهر قدرة استثنائية على الابتكار والعمل تحت الضغط. هذا التفوق دفع قادة الاحتلال إلى إطلاق ألقاب متعددة عليه، مثل: "الثعلب"، "العبقري"، "الرجل ذو الألف وجه"، و"المطلوب رقم واحد"، في تعبير واضح عن حجم الإرباك الذي سببه لهم.
وقد عبّر بعض قادة الاحتلال، في شهادات لاحقة، عن إعجابهم بعقليته وقدرته على التخفي والبقاء، رغم أنه كان العدو الأخطر بالنسبة لهم. هذا الاعتراف، وإن جاء من موقع الخصم، يعكس مكانة عياش كظاهرة أمنية وعسكرية فريدة في تلك المرحلة.
من الضفة إلى غزة.. تصعيد في المواجهة
نشط عياش في صفوف كتائب القسام منذ مطلع عام 1992، وتركز نشاطه في الضفة الغربية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى قطاع غزة نتيجة الملاحقة المكثفة. وبعد مجزرة المسجد الإبراهيمي في فبراير/شباط 1994، شهدت المقاومة الفلسطينية تحولًا نوعيًا في أساليبها، حيث ارتبط اسم عياش بتطوير ما عُرف لاحقًا بـ”العمليات الاستشهادية”، التي شكّلت آنذاك صدمة غير مسبوقة للاحتلال.
خلال تلك الفترة، نُسبت إليه مسؤولية التخطيط لسلسلة من العمليات التي أوقعت خسائر كبيرة في صفوف الإسرائيليين، وجعلته على رأس قائمة الاغتيالات. ومع تصاعد تأثير تلك العمليات، بات عياش رمزًا للمقاومة الحديثة، القائمة على الجمع بين المعرفة الهندسية والعمل التنظيمي السري.
الاغتيال.. ومحاولة إغلاق الصفحة
في الخامس من يناير/كانون الثاني 1996، نجحت المخابرات الإسرائيلية في اغتيال يحيى عياش بتفجير هاتف نقال كان يستخدمه، داخل منزل أحد أصدقائه شمالي قطاع غزة. ورغم أن العملية أنهت حياته وهو في ريعان شبابه، إلا أنها فتحت فصلًا جديدًا من حضوره الرمزي. فقد شيّع عشرات الآلاف من الفلسطينيين جثمانه، وعمّت التظاهرات مناطق واسعة، في مشهد عكس حجم الالتفاف الشعبي حوله.
"عيّاش 250" الاسم الذي عاد مع الصواريخ
لم يبقَ اسم يحيى عياش حبيس الذاكرة أو كتب التاريخ. ففي الثالث عشر من مايو/أيار عام 2021، وخلال معركة "سيف القدس"، أعلنت كتائب القسام عن استخدام صاروخ جديد حمل اسم "عيّاش 250"، في إشارة مباشرة إلى المهندس الشهيد. 
وأُطلق الصاروخ باتجاه بلدة "إيلوت" المتاخمة لمطار رامون الإسرائيلي جنوب الأراضي المحتلة، في رسالة ذات أبعاد عسكرية ورمزية في آن واحد.
بحسب بيان القسام آنذاك، فإن الصاروخ يُعدّ من أقوى الصواريخ التي امتلكتها المقاومة من حيث القوة التدميرية والمدى، الذي يصل إلى نحو 250 كيلومترًا، وهو ما وضع معظم الأراضي المحتلة ضمن نطاق الصواريخ الفلسطينية. لم يكن اختيار الاسم تفصيلًا عابرًا، بل تأكيدًا على استمرارية النهج الذي أسسه عياش، وربط التطور العسكري الحديث بجذوره الأولى.
يحمل "عيّاش 250" دلالة تتجاوز البعد العسكري، إذ يعكس انتقال المقاومة من مرحلة الأدوات المحدودة إلى مرحلة القدرة على فرض معادلات ردع جديدة، ويُجسّد كيف تحوّل المهندس الذي اعتمد على أبسط الإمكانات إلى رمز يُستحضر مع أكثر الأسلحة تطورًا.
إرث لم ينتهِ
اليوم، وبعد مرور عقود على استشهاده، لا يزال اسم يحيى عياش حاضرًا بقوة في الخطاب المقاوم، وفي الذاكرة الجمعية للفلسطينيين. فالرجل الذي نقل المقاومة نقلة نوعية في التسعينيات، أسّس لمدرسة كاملة في العمل العسكري القائم على الابتكار والتكيّف مع الحصار.
ومع استمرار المواجهة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال، وبروز تطور نوعي في الأسلحة والتكتيكات، يعود اسم "المهندس" إلى الواجهة، ليس بوصفه ذكرى، بل كأحد المؤسسين الذين ما زالت بصماتهم واضحة في ميدان الصراع. هكذا، تبقى حياة يحيى عياش –على قصرها– حافلة بفصول تستحق أن تُروى، باعتبارها جزءًا من سردية مقاومة لم تتوقف، ولم تُغلق صفحاتها بعد.

اخبار ذات صلة