محمد الترابين… رصاصة في النقب تركت سبعة أطفال ينتظرون الأب

الرسالة نت - متابعة خاصة

لم يكن محمد حسين الترابين يبحث عن مواجهة، ولا عن بطولة. وكان صباح النقب يشبهه، هادئًا، مفتوحًا على الصحراء، وعلى بيت يعرفه الاحتلال جيدًا كما يعرف أسماء سكانه واحدًا واحدًا.

في ذلك الصباح، اقتحمت قوات شرطة الاحتلال قرية ترابين الصانع، إحدى القرى البدوية غير المعترف بها في النقب المحتل. دخلوا البيوت، كعادتهم، لتنفيذ حملة اعتقالات جديدة. لم يكن محمد يحمل سلاحًا، ولم يكن يشكل خطرًا، لكنه سقط برصاص الاحتلال داخل قريته، ليرتقي شهيدًا، ويُضاف اسمه إلى قائمة طويلة من الفلسطينيين الذين قُتلوا لأنهم فقط… فلسطينيون.

محمد الترابين، 35 عامًا، أب لسبعة أطفال، عاش حياته بين أرضه وعائلته، في قرية تعيش أصلًا تحت حصار دائم،  بيوت مهددة بالهدم، خدمات شبه معدومة، وملاحقة مستمرة من الشرطة.

 ورغم ذلك، ظلّ محمد، كما يقول أقاربه، “رجل بيت”، يعرفه الجميع بهدوئه وحرصه على أولاده.

رواية الاحتلال جاءت سريعة، جاهزة، كعادتها: “تعرضت القوة للخطر”. لكن أهل القرية، وعائلة الشهيد، يرفضون هذه الرواية جملة وتفصيلًا. يؤكدون أن محمد لم يكن مسلحًا، ولم يحاول الهرب أو المقاومة، وأن إطلاق النار كان مباشرًا، وقاتلًا، بلا إنذار ولا مبرر. 

رصاصة واحدة كانت كافية لتحويل بيتٍ كامل إلى مأتم، وأطفال إلى أيتام في لحظة.
استشهاد الترابين ضمن حملة تصعيد متواصلة ضد القرى البدوية في النقب، تشمل اقتحامات ليلية، اعتقالات، هدم بيوت، وملاحقات جماعية، في محاولة لفرض واقع جديد بالقوة. 

في هذا السياق، يصبح الجسد الفلسطيني هدفًا مباحًا، وتتحول الشرطة إلى أداة قمع، لا إلى جهة “إنفاذ قانون”.

في جنازته، خرجت القرية عن بكرة أبيها. رجال، نساء، أطفال، حملوا الجثمان، وشيّعوه في مشهد يختصر حكاية النقب كلها: أرض بلا اعتراف، وأصحاب حق يُعاملون كغرباء. كانت الجنازة إعلان غضب، وصرخة احتجاج ضد سياسة القتل والإفلات من العقاب, وهتافات الساىرين ضد سياسة نتنياهو ووزيره الارهابي بن غفير ملأت سماء الصحراء.

اليوم، لا يتحدث أهل محمد عن السياسة بقدر ما يتحدثون عن الفراغ. سبعة أطفال يسألون عن الأب الذي لن يعود، وزوجة تواجه الحياة وحدها، وقرية تعرف أن ما حدث قد يتكرر في أي بيت آخر. في النقب، كما في غزة والضفة، سياسة القتل والترهيب ومصادرة الأرض من أصحابها.
منذ مطلع العام، تصاعدت عمليات الاعتقال والهدم والاقتحامات، في النقب،  ففي نهاية ديسمبر 2025 وحده، اعتقلت قوات الاحتلال عشرات الشباب في قرية الترابين، وحررت مخالفات وهدمت مبانٍ بذريعة “فرض النظام الأمني”. بالإضافة إلى ملاحقات يومية واستدعاءات للشباب وحتى للنساء على خلفية تعبيرهم عن آرائهم أو منشوراتهم على مواقع التواصل.

حسب تحقيقات إعلامية نقلت عن ناشطين محليين أن جهاز الأمن العام (الشاباك) يراقب الحياة اليومية في النقب بدقّة غير مسبوقة منذ أكتوبر 2023. 
كما قالت مصادر حقوقية إن العنف يرتفع بمعدل يومي تقريبًا خمسة حوادث في الضفة، وبلغت حصيلة الإصابات بمنتصف العام أكثر من 780 فلسطينيًا جُرحوا من قبل المستوطنين، بينما أُصيب عدد آخر بنيران الاحتلال. 

هذه الحصيلة لا تغطي فقط الضفة الغربية؛ فالكراهية والعنف تتسللان إلى حياة الفلسطيني في النقب الذي يعاني هدم المنازل، وتشريد الأسر، واستهداف المجتمع البدوي بأدوات أمنية وسياسية تجعل من حياته اليومية حالة من الخوف الدائم. وجهٌ جديد من حرب لا تقف عند الحدود المسلحة فقط، بل تستهدف المواطن الفلسطيني في أرضه وهويته ومستقبله.