في شوارع غزة المنهكة بالحرب، لم تعد المعاناة تقتصر على صوت القصف أو آثار الدمار، بل تسلّلت إلى تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة، حتى باتت قطعة نقدية مفقودة سببًا لتعطّل يومٍ كامل. ومن تداعيات حرب الإبادة الجماعية، برزت أزمة «الفِكّة» كأحد أوجه الانهيار الاقتصادي الصامت، حيث تحوّلت العملات المعدنية والأوراق النقدية الصغيرة من وسيلة لتيسير المعيشة إلى عائقٍ يضاعف من معاناة المواطنين في تأمين أبسط احتياجاتهم.
وتحوّلت الفِكّة من أداة تسهيل للتبادل اليومي إلى عائقٍ حقيقي أمام تلبية الاحتياجات الأساسية، إذ بات كثير من الباعة يشترطون توفّر المبلغ «المفكوك» لإتمام عمليات الشراء، الأمر الذي جعل اقتناء رغيف الخبز أو شراء الاحتياجات الضرورية مهمة شاقة، وأحيانًا مستحيلة.
ولم تقتصر الأزمة على الأسواق، بل امتدّت إلى قطاع المواصلات، حيث يشترط سائقو المركبات توفّر الفِكّة، ما يجعل التنقّل اليومي عبئًا إضافيًا على المواطنين، لا سيما في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام البدائل.
ويجد المواطنون أنفسهم في مواقف قاسية، إذ يضطر بعضهم إلى شراء سلعٍ لا يحتاجونها، أو تفوق قدرتهم الشرائية، فقط لإقناع البائع بفكّ المبلغ الذي بحوزتهم. هذه الممارسات القسرية لا تعكس أزمة نقدية فحسب، بل تكشف عن حالة من الاختناق الاقتصادي والاجتماعي تتعمّق يومًا بعد يوم، مع استمرار الحرب والحصار وتعطّل الدورة المالية الطبيعية.
يقول المواطن أحمد سهيل (45 عامًا):
«انتهت الحرب وبدأنا حروبًا عديدة، من بينها معاناتنا في الحصول على فِكّة. أحيانًا أملك ثمن الخبز كاملًا، لكنني أعود إلى البيت بلا خبز لأن البائع لا يملك فِكّة، أو يطلب مني مبلغًا مفكوكًا. المسألة لم تعد فقرًا فقط، بل إذلالًا يوميًا».
ويضيف: «أضطر أحيانًا إلى شراء أشياء لا أحتاجها، فقط لكي يفكّ لي البائع المبلغ الذي معي. أخرج إلى السوق وأنا لا أعلم إن كنت سأشتري كل ما أحتاجه أم لا».
ولم تسلم المواصلات العامة من تبعات الأزمة، إذ يؤكّد المواطن سامر (27 عامًا):
«أمشي مسافات طويلة لأن سائق المركبة يطلب فِكّة. أحيانًا أصل متأخرًا عن عملي أو موعدي لأن معي ورقة نقدية كبيرة لا يقبلها أحد».
ويشير إلى أن السائقين أصبحوا يشترطون وجود فِكّة قبل ركوب المواصلات، وفي كثير من الأحيان يلجأ بعضهم إلى إنزال الركاب بسبب عدم توفّرها.
في المقابل، يذكر تجّار البسطات أن الأزمة فرضت عليهم واقعًا قاسيًا، حيث بات غياب الفِكّة سببًا مباشرًا لخسارة الزبائن وتعطّل البيع، في ظل غياب أي حلول أو تدخلات مالية تعالج هذا الخلل المتفاقم.
يقول عزيز محمد، بائع على بسطة بهارات:
«الكثير من عمليات البيع لا تتم بسبب الفِكّة. كثير من الزبائن يأتون بورقة 20 أو 50 شيكلًا للشراء بخمسة شواكل أو أقل، ولا تتوافر لدينا نقود معدنية لإرجاع الباقي، فأضطر أحيانًا إلى رفض البيع، وهذا يضرّ بتجارتي».
وأشار إلى أن أزمة الفِكّة ليست مجرد نقص في العملة الصغيرة، بل أزمة سيولة متكاملة، لافتًا إلى أن الحلول الجزئية التي يحاول البعض ابتكارها، مثل مبادلة الفِكّة مقابل عمولة أو رفع الأسعار، تزيد من تعقيد الأزمة وتثقل كاهل المستهلك.
ويرى مختصّون اقتصاديون أن أزمة الفِكّة في غزة هي نتيجة مباشرة لانهيار النظام المصرفي، وتوقّف ضخ العملات الجديدة، وتلف كميات كبيرة من النقد، إضافة إلى شلل الأسواق وغياب السيولة النقدية المنظّمة. ومع غياب أي حلول جذرية أو تدخلات عاجلة، تبقى هذه الأزمة عبئًا يوميًا يُضاف إلى معاناة سكان القطاع، الذين يواجهون حربًا مركّبة تمسّ حياتهم وكرامتهم وحقّهم في العيش الكريم.
ووفقًا للقانون الدولي، فإن منع إدخال السيولة يُعدّ انتهاكًا واضحًا للاتفاقيات الدولية. ويُعدّ استمرار الاحتلال في منع إدخال السيولة وتعميق أزمة الفِكّة في غزة، بحسب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، شكلًا من أشكال العقوبات الجماعية المحظورة دوليًا. كما تنصّ المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية على حقّ الأفراد في وجود نظام نقدي فعّال ييسّر التعاملات المالية، وهو ما يفتقده المواطنون في غزة اليوم.
وبدوره، يعتبر الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن هذه الأزمة تُفقد المواطنين جزءًا من أموالهم بشكل مباشر؛ فمن يسعى للحصول على فِكّة يُضطر إلى خسارة قد تصل إلى 20% من قيمة ماله، بمعنى أن من يحمل ورقة نقدية بقيمة 100 شيكل قد يحصل مقابلها على 70 شيكلًا فقط من الفِكّة.
وأوضح أن ندرة الفِكّة تجبر المواطنين على صرف المبلغ كاملًا حتى لو لم يكونوا بحاجة إلى جميع ما يشترونه، ما يدفعهم لاقتناء سلع غير ضرورية أو لم يكونوا يخطّطون لشرائها أساسًا، مؤكّدًا أن ذلك يُشكّل استنزافًا مباشرًا لجيوب المواطنين وخسارةً لأموالهم دون وجه حق.
ويُقرّ أبو قمر بأن العقبة الرئيسية سياسية، فوفقًا لبروتوكول باريس، تقع على عاتق الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية إدخال العملات واستبدال التالفة منها، مضيفًا: «سلطة النقد مطالَبة بالضغط عليه، لكنها لا تتحرّك كما ينبغي».
في غزة، لم تعد أزمة الفِكّة مجرّد خللٍ نقدي عابر، بل تحوّلت إلى وجهٍ آخر من وجوه الحصار الخانق، يطال كرامة الإنسان قبل جيبه، ويجعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية معركة بقاء جديدة. فحين يُحرم المواطن من حقّه في استخدام ماله، ويُجبر على خسارته أو إنفاقه قسرًا، يصبح المال نفسه أداة ضغطٍ ومعاناة. وبين غياب الحلول وتراكم الأزمات، تبقى أزمة الفِكّة شاهدًا صامتًا على انهيار منظومة الحياة في قطاعٍ يرزح تحت حربٍ ممتدة، حيث لم يعد الخبز وحده مفقودًا أحيانًا، بل أبسط حقّ في عيشٍ كريم.