لم يعد ما يشهده قطاع غزة منذ شهور طويلة مجرد أزمة إنسانية طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات إسعافية محدودة، بل تحول إلى كارثة إنسانية شاملة ومستمرة، تتراكم فصولها يوما بعد الآخر، وتطال جميع مناحي الحياة الأساسية للسكان المدنيين.
ففي ظل العمليات العسكرية المتواصلة، والقيود الصارمة المفروضة على الحركة وإدخال المساعدات، يعيش أكثر من مليوني إنسان حالة غير مسبوقة من الحرمان، تهدد حقهم في الحياة والكرامة الإنسانية.
وتتجلى هذه الكارثة بوضوح في مشاهد النزوح الجماعي، حيث أُجبر مئات الآلاف من الفلسطينيين على البقاء بخيام مؤقتة أو مراكز إيواء مكتظة، تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة والعيش الكريم.
ومع حلول فصل الشتاء، تحولت هذه الخيام المتهالكة إلى رمز لانعدام مقومات الحياة الآدمية، إذ لا تقي من البرد القارس أو الأمطار، ولا توفر خصوصية أو حماية صحية، في ظل نقص حاد في الأغطية ووسائل التدفئة والملابس الشتوية.
جوع وانهيار الصحة
وفي موازاة النزوح، تتفاقم معاناة السكان بفعل الجوع وسوء التغذية وانهيار النظام الصحي، ما يعكس صورة متكاملة لكارثة إنسانية لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها البعض، ولا التعامل معها باعتبارها ظرفا مؤقتا.
فهذه الأوضاع هي نتاج مباشر لسياسات ممنهجة من القيود والإغلاق ومنع دخول المساعدات، الأمر الذي أكدت عليه مرارا تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية.
ويعاني سكان غزة من انعدام حاد في الأمن الغذائي، حيث لم تعد القدرة على الحصول على الغذاء مسألة فقر أو ضعف موارد فحسب، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بإعاقة وصول المساعدات الإنسانية.
فعلى الرغم من التعهدات الإسرائيلية بالسماح بدخول ما يصل إلى 600 شاحنة مساعدات يوميا، تؤكد منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية أن هذه التعهدات لم تُنفذ فعليا. إذ أوضح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن متوسط عدد الشاحنات التي دخلت القطاع خلال فترات طويلة تراوح بين 200 و300 شاحنة يوميا، قبل أن ينخفض في مطلع ديسمبر إلى نحو 140 شاحنة فقط، وهو عدد لا يتناسب مطلقا مع حجم الاحتياجات الإنسانية.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لم يحصل سوى 65% من سكان قطاع غزة على مساعدات غذائية خلال شهر نوفمبر، ما يترك مئات الآلاف عرضة للجوع وسوء التغذية. ورغم إعلان نظام التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) في ديسمبر انتهاء المجاعة بوصفها تصنيفًا تقنيًا، تحذّر منظمات الإغاثة من أن هذا الإعلان لا يعكس الواقع الإنساني القائم، إذ إن آثار المجاعة لا تزول بانتهاء تصنيفها، بل تستمر تداعياتها الصحية والنفسية والاجتماعية لفترات طويلة.
مأساة الأطفال والنساء
وتظهر أخطر مؤشرات هذه التداعيات لدى الأطفال والنساء، فقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بأن ثلثي الأطفال دون سن الخامسة في غزة تناولوا خلال شهر أكتوبر الماضي أطعمة تقتصر على مجموعة غذائية واحدة أو مجموعتين فقط من أصل ثماني مجموعات غذائية أساسية ضرورية للنمو السليم، وغالبا ما تمثلت هذه الأطعمة في الحبوب أو الخبز أو الدقيق.
كما أكدت المنظمة أن نحو 320 ألف طفل وطفلة دون سن الخامسة لا يزالون عرضة لخطر سوء التغذية الحاد، وهو شكل مهدد للحياة من الحرمان الغذائي، يتطلب تدخلا طبيا عاجلا ومستداما.
ولا تقل معاناة النساء خطورة، لا سيما الحوامل والمرضعات، اللواتي يواجهن نقصا حادا في العناصر الغذائية الأساسية، ما ينعكس سلبا على صحتهن وصحة الأجنة والرضع، ويزيد من مخاطر فقر الدم، والولادات منخفضة الوزن، والمضاعفات الصحية طويلة الأمد.
وتتزامن أزمة الغذاء مع انهيار شبه كامل للقطاع الصحي، حيث تعاني المستشفيات والمراكز الطبية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، ما يحد من قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.
كما أدى تدمير البنية التحتية، ونقص المياه الصالحة للشرب، وتدهور شبكات الصرف الصحي، إلى تفشي الأمراض المعدية، وارتفاع المخاطر الصحية والبيئية، خصوصا في أماكن النزوح المكتظة.
محاربة المنظمات الإنسانية
وترتبط هذه الأوضاع الكارثية ارتباطا مباشرا بالقيود القانونية والإدارية التي تفرضها إسرائيل على عمل المنظمات الإنسانية. فقد دعا الاتحاد الأوروبي حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى تعديل قانون تسجيل المنظمات الدولية غير الحكومية، محذرا من أنه يشكل عائقا خطيرا أمام استمرار عمل هذه المنظمات في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأكد بيان مشترك صادر عن الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، والمفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، والمفوضة المكلفة بإدارة الأزمات، أن استمرار هذه القيود قد يدفع العديد من المنظمات الإنسانية إلى مغادرة المنطقة، ما سيؤدي إلى توقف تقديم مساعدات منقذة للحياة تشمل الغذاء والدواء والمياه والمأوى.
وأشار البيان الأوروبي إلى أن الأوضاع الإنسانية في غزة تشهد تدهورا بالغ الخطورة، خاصة في ظل ظروف الشتاء القاسية وتدهور البنية التحتية الأساسية، محذرا من أن استمرار القيود الحالية يقوّض الجهود الدولية الرامية إلى التخفيف من حدة الكارثة الإنسانية.