قائمة الموقع

"فوضى الاستيراد" في غزة: خبير اقتصادي يحمّل الاحتلال مسؤولية دخول اللحوم الفاسدة

2026-01-07T18:31:00+02:00
"فوضى الاستيراد" في غزة: خبير اقتصادي يحمّل الاحتلال مسؤولية دخول اللحوم الفاسدة
الرسالة نت- متابعة خاصة

بعد أشهر طويلة من المجاعة القاسية التي عاشها سكان قطاع غزة، والتي حُرموا خلالها من إدخال المواشي والدواجن، واضطروا للاعتماد على المعلبات والمساعدات الإغاثية الشحيحة، عاد الطعام اليوم إلى الأسواق، لكنّه عاد محمّلًا بالخطر.

 فبينما يسعى الغزيون لتعويض نقص البروتين الحيواني الذي أرهق أجسادهم خلال الحرب، تتسلل إلى موائدهم لحوم ودواجن فاسدة أو مجهولة المصدر، في مشهد يعكس انتقال الأزمة من جوعٍ قاتل إلى تهديد مباشر للصحة العامة، وسط حصار مستمر وتحكم إسرائيلي صارم بالمعابر وآليات الاستيراد.

خلال الأشهر الماضية، أعلنت وزارة الاقتصاد الوطني وبلديات قطاع غزة، بالتعاون مع الأجهزة الشرطية، عن إتلاف كميات كبيرة من اللحوم والدواجن غير الصالحة للاستهلاك البشري، في مؤشر مقلق على حجم الفوضى التي تشهدها الأسواق الغذائية. 

ففي ديسمبر الماضي، أتلفت وزارة الاقتصاد 26 مشطاحًا من أجنحة الدجاج المجمدة، و5 مشاطيح من كبدة الدجاج المجمدة، في مكتب النفايات بشارع 5 غرب المحافظة، بعد ثبوت فسادها وعدم صلاحيتها للاستهلاك.

وفي حادثة أخرى، أعلنت بلدية غزة، قبل ثلاثة أسابيع، أن طواقم الرقابة الصحية التابعة لها أتلفت نحو 5 أطنان من لحوم الدجاج الفاسدة، جرى تسلمها من أحد التجار في المدينة، بالتعاون مع الجهات المختصة، ضمن حملات التفتيش الدورية على الأسواق والثلاجات التجارية.

كما سجلت محافظات جنوب القطاع حالات مشابهة، إذ أتلفت مباحث التموين في شرطة محافظة رفح، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الوطني، مع بداية العام الجاري، نحو 3.3 أطنان من لحوم الدجاج غير الصالحة للاستهلاك البشري تعود لأحد التجار. 

وقالت مباحث التموين، في بيان لها نقلته "الرسالة نت" آنذاك، إن الفحوصات المخبرية أظهرت فساد الكمية المضبوطة وعدم مطابقتها لشروط ومعايير السلامة الصحية، ما استدعى إتلافها فور صدور النتائج، وبحضور الجهات المختصة، لضمان عدم تسريبها إلى الأسواق.

وأكدت المباحث استمرار حملاتها الرقابية على المنشآت الغذائية، مشددة على أنها ستتخذ الإجراءات القانونية بحق كل من يعبث بصحة المواطنين أو يخالف الأنظمة المعمول بها، في وقت يزداد فيه الضغط على السوق المحلية بفعل شح البدائل وارتفاع الأسعار.

ورغم هذه الجهود، يحذر خبراء اقتصاديون من أن المشكلة أعمق من مجرد مخالفات فردية. فالخبير الاقتصادي الفلسطيني أحمد أبو قمر وصف ما يجري في أسواق غزة بأنه "فوضى استيراد غير مسبوقة"، ناتجة عن غياب الرقابة الفعلية على المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل، ما يسمح بدخول بضائع مجهولة المصدر، أو منتهية، أو قريبة من انتهاء الصلاحية، دون فحص حقيقي.

وأوضح أبو قمر أن هذه الفوضى لا يمكن اعتبارها خللًا مؤقتًا، بل واقعًا مفروضًا تحكمه "الضرورة" أكثر من القواعد، في ظل الحصار وانهيار المنظومة الاقتصادية. 

وأضاف أن سلعًا أساسية، مثل اللحوم والمجمدات وحتى زيت الزيتون، تدخل إلى القطاع دون بطاقات بيان واضحة، أو تواريخ إنتاج وانتهاء، ما يجعل عملية الشراء أشبه بـ"مجازفة يومية" للمواطنين الذين لا يملكون ترف الاختيار.

وأشار إلى أن هذا الواقع فتح الباب أمام الغش التجاري، ليس دائمًا بدوافع سيئة، وإنما نتيجة الظروف الخانقة التي يواجهها التجار، من ارتفاع تكاليف النقل والتخزين، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، ما يدفع بعضهم لقبول بضائع رخيصة الثمن، لكنها مشكوك في جودتها وسلامتها الصحية.

وأكد أبو قمر أن جوهر الأزمة يكمن في غياب معابر تقوم بدور رقابي حقيقي، موضحًا أن السيطرة الإسرائيلية على الاستيراد، عبر شركات محددة واحتكارية، تجعل السوق الغزي ساحة مفتوحة بين الحاجة الماسة للغذاء ومتطلبات السلامة الصحية، فيما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف والضحية الأولى.

ويأتي هذا التحذير في سياق انهيار اقتصادي غير مسبوق في قطاع غزة، حيث تشير تقارير فلسطينية ودولية إلى انكماش الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 86% خلال عامي الحرب، وارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 95%، في ظل دمار واسع للبنية التحتية، وفقدان مئات آلاف الأسر لمصادر دخلها.

من جهتها، تؤكد وزارة الاقتصاد في غزة استمرار جهودها الرقابية الميدانية، رغم الإمكانيات المحدودة والتحديات الكبيرة، مشددة على أن غياب الفحص والرقابة على المعابر يقيّد قدرتها على منع دخول البضائع الفاسدة من الأساس، ويجعل التدخل لاحقًا محصورًا في الإتلاف بعد وصول الخطر إلى داخل السوق.

وبين مجاعة لم تُمحَ آثارها بعد، وواقع اقتصادي منهار، يجد سكان غزة أنفسهم أمام معركة جديدة من نوع آخر: معركة لحماية صحتهم في ظل طعام قد يكون، في بعض الأحيان، خطرًا لا يقل فتكًا عن الجوع ذاته.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00