قائمة الموقع

خلف الأبواب المغلقة… حيث يُستكمل القتل

2026-01-08T18:37:00+02:00
خلف الأبواب المغلقة… حيث يُستكمل القتل
الرسالة نت- خاص

منذ اندلاع هذه الحرب الشعواء، لم يعد الإجرام الذي يمارسه جيش الاحتلال مشهدًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل صار أرقامًا قياسية تُسجَّل يوميًا في القتل والتدمير وانتهاك الكرامة الإنسانية.

ومع أن العالم رأى كثيرًا من صور القهر والسادية، وشاهد جنودًا يتباهون بفظائعهم على منصات التواصل، إلا أن ذلك كله لا يمثل سوى الواجهة. فثمّة فصل أشد ظلمة، يُكتب بعيدًا عن الكاميرات، في غرف التحقيق، ومراكز الاحتجاز، وسجون الموت.

ما نعرفه عن هذا الفصل لا يصلنا إلا شذرات: شهادات ناجين، حكايات مفرج عنهم، أو روايات محامين تمكنوا من لقاء بعض المعتقلين. وما يصلنا، مهما كان فظيعًا، لا يشكّل إلا جزءًا يسيرًا من حقيقة ما يجري هناك. فهذه الانتهاكات ليست أحداثًا من الماضي، بل واقعًا مستمرًا، يتصاعد يومًا بعد يوم.

مراحل الجحيم

في كانون الثاني/يناير 2024، اعتُقل أيمن ياغي، لتبدأ رحلة عذاب متدرجة كأنها مصممة بعناية. يومان من التحقيق الميداني، ثم نقلٌ إلى ثكنة عسكرية داخل أحد المنازل في غزة، فإلى “البركسات” في غلاف غزة، حيث مكث تسعة أيام. لم تكن هذه مجرد محطات انتقال، بل حلقات متتالية من التعذيب والضرب والمعاملة التي لا تليق بالبشر.

استخدم المحققون مع أيمن ما يُعرف بـ“التحقيق العسكري”: شبحٌ على الكرسي ستًا وثلاثين ساعة متواصلة، جسد معلق بين الألم والإرهاق، وزمن يتوقف عند حدود الاحتمال. وحين نُقل إلى سجن عسقلان، ظنّ أن الأسوأ قد انتهى، وأنه قد يحظى بزنزانة يستعيد فيها شيئًا من آدميته. لكن العذاب كان يتخذ شكلًا آخر. أُعيد التحقيق معه ست مرات، أُجبر خلالها على الجلوس على ركبتيه لساعات، ثم ضُرب على الركبتين حتى الإغماء. وفي النهاية، انتهى به المطاف في زنازين سجن عوفر، حيث ما يزال محتجزًا، شاهداً حيًا على جحيم لا يُغلق بابه.

لا شفاعة… ولا عذر

في كانون الأول/ديسمبر 2023، اقتحمت قوات الاحتلال منزل لبيب عيسى في مدينة غزة، واختطفته رغم كونه ضريرًا ويعاني أمراضًا مزمنة. لم تشفع له إعاقته، ولا وضعه الصحي، ولا حقيقة أنه كان في منزله. التهمة الوحيدة: أنه موجود.

نُقل لبيب إلى سجن النقب، حيث يصف واقعًا أشبه بساحة تعذيب مفتوحة. اقتحامات متكررة للأقسام، ضرب جماعي بذريعة التفتيش، وفي إحدى المرات جرى حشر المعتقلين في قفص لأكثر من ثماني ساعات. وبعد كل عملية قمع، تُفرض عقوبات إضافية: حرمان من “الفورة”، ومن أبسط أشكال الحركة.

في عتمة السجن، وعتمة فقدان البصر، كان لبيب يتلوّى من آلام حادة في البطن والكلى، ويعاني مرض الجرب، دون أي علاج. لكن الألم الأكبر لم يكن جسديًا. فقد كان واحدًا من مئات معتقلي غزة الذين فقدوا عائلاتهم خلال الإبادة دون أن يعلموا. لبيب فقد زوجته، وثلاثة من أبنائه، واثنتين من حفيداته، إضافة إلى زوجة أخيه وأبنائها. خرج الخبر إليه متأخرًا، كطعنة باردة في روح مُنهكة.

جراح لا تندمل

في الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2024، وتحت قصفٍ انهمر كالمطر، أُصيب بهاء تمراز إصابة خطيرة في ظهره. لم تكن الإصابة سببًا للرحمة، بل ذريعة لمزيد من القسوة. اعتُقل وهو ينزف، خضع للاستجواب والتعذيب، وتُرك خمسة عشر يومًا يتأرجح بين الحياة والموت، قبل أن يُنقل أخيرًا إلى المستشفى.

أُجريت له عملية جراحية، لكن الجرح لم يُمنح فرصة للالتئام. في اليوم التالي مباشرة، أُعيد إلى السجن، دون علاج، دون تعافٍ، ودون أن يستعيد وعيه الكامل.

يصف بهاء رحلته باعتبارها جحيمًا متواصلًا: تنقّل بلا وجهة معروفة، غياب لأي وضع قانوني، تعذيب، اعتداءات، وجرائم طبية ممنهجة. أما الطعام، فكان فتاتًا يُجمع على مدار اليوم ليؤكل ليلًا كوجبة واحدة، في سياسة تجويع تطال الجميع.

قد تلتئم جراح ظهر بهاء يومًا ما، لكن الجراح التي حفرتها التجربة في روحه، كما يقول، لن تندمل.

اخبار ذات صلة